(الإسهال المائي، السحائي، الجزام، الحصبة، الجدري، الحمى النزفية ، الشلل ، السحائى والحمي الصفراء)، أوبئة تؤكد جهات صحية عديدة أنها سطرت واقعًا منذ زمن بعيد فى السودان، وتراجعت بفعل استراتيجيات اتبعتها الدولة، فيما توجد أوبئة بشهادة خبراء صحة ما تزال تشكل هاجسًا لجهة عدم وجود استراتيجية للسيطرة عليها.
غير أن عدداً من الأمراض يؤكد البعض أنها أضحت صفحة من الماضي، ولكن تقارير رسمية تؤكد أن الكثيرين في السودان يقضون نحبهم بهذه الأمراض التي ينتشر بعضها في مواسم وأماكن محدودة، فيما كاد الكثير منها أن يتحول إلى أمراض مستوطنة.
وقطع الخبراء بأن جل هذه الأمراض موجود، تأتي في شكل موجات، بخلاف الجدري وشلل الأطفال الذي سجل أرقاماً صفرية منذ أكثر من 7 سنوات مضت.
ماهى الاوبئة
الأوبئة تعرف بأنها حدوث فجائي لأمراض ذات صفة معدية وانتشار سريع يؤدي إلى زيادة المصابين وارتفاع معدلات الوفاة، وبالتالي إرهاق النظام الصحي، وإثارة خوف وتوجس وسط السكان، وقد تكون الأوبئة محدودة أو واسعة الانتشار في فترات زمنية معينة. وبحسب أطباء فإنه في الغالب تكون مسببات الأوبئة ذات علاقة بمصدر عام أو تغيير بيئي مثل توالد الذباب وتلوث المياه.
ويقول خبراء إن السودان من أكثر الدول المهددة بحدوث انتشار وبائي، وذلك قياساً بالظروف الأمنية التي ترادفها حالات النزوح واللجوء وسوء في الغذاء، وتكون مرتعاً خصباً لانتشار الوبائيات خاصة في المعسكرات نسبة للاكتظاظ السكاني وقلة الرعاية الطبية، وأيضاً من الأسباب التي تقف وراء انتشار الأوبئة الكوارث الطبيعية مثل الفيضانات والجفاف والتصحر وشح المياه، ويرى اختصاصيون أن الكيماويات التي تستعمل في الزراعة والصناعة وتربية الثروة الحيوانية من الأسباب المباشرة أيضاً لانتشار سريع للوبائيات، بالإضافة إلى العمالة الأجنبية والأعمال الهامشية مثل التنقيب عن الذهب وبيع المياه، ومن أبرز الأسباب لانتشار الاوبئة بحسب تقرير لوزارة الصحة الاتحادية، ضعف أنظمة توفير مياه الشرب النقية، وضعف وقلة المرافق الصحية التي لا تتجاوز50% في بعض الولايات.
أرقام مخيفة:
ولأن الصحة لا تحظى بالدعم الكافي من الدولة حسبما يؤكد مسؤولون في هذا المجال وعلى رأسهم وزراء الصحة بالمركز والولايات، فقد ظلت البلاد تشهد حالات انتشار كبير لعدد من الأوبئة التي أصابت أعداداً كبيرة من المواطنين وأودت بحياة كثيرين منهم.
وإزاء التعامل مع مخاطر الأوبئة التي ظهرت خلال السنوات الخمس الماضية، فقد سعت وزارة الصحة الاتحادية ونظيراتها في الولايات لمكافحتها ومحاصرتها بدعم من المنظمات الدولية والوطنية، ولكن ضعف الإمكانات هزم جهود وزارات الصحة في عدد من حالات انتشار الاوبئة التي أودت بحياة المئات من المواطنين. وبحسب الخريطة الوبائية في السودان التي رصدت الأوبئة منذ عام 2005م وحتى العام الماضي، نجد أن الالتهاب السحائي أصاب أربعة عشر ألف مواطن، وأودى بحياة «470» مواطناً،إما الإسهال المائي الذي يعتبر التلوث من أسبابه المباشرة، فقد أصاب «31849» مواطنا،ً وتسبب في وفاة «419» مواطناً. ومن الأوبئة التي سجلت ارتفاعاً كبيراً في الإصابة والانتشار الحمى الصفراء التي أصابت «613» مواطناً بجنوب كردفان، وتسببت في موت «184» . وتعتبر ولايتا كسلاو البحر الأحمر من الولايات التي تنتشر فيها حمى الضنك، حيث أصابت «4812» مواطناً وتسببت في وفاة «65» مواطناً، أما حمى الوادي المتصدع التي تنتشر في ولايات كسلا، النيل الابيض، سنار، الجزيرة ونهر النيل والخرطوم، فقد أصابت وقتلت «893» مواطناً. وأصابت الحصبة «2100» مواطن، وأودت بحياة «31»، فيما شهدت ولاية شمال كردفان ظهور التهاب الكبد الذي أصاب «404» مواطنين وتوفي بسببه «56» مواطناً، وهناك أمراض أخرى ظهرت بصورة محدودة، ولم تنتشر مثل الحمى الغامضة، والسعال الديكي والجرب الذي أصاب «419» بالولاية الشمالية وكذلك الجذام. وبهذا الرصد يتضح ارتفاع معدلات حدوث وانتشار الأمراض في مختلف ولايات السودان بما فيها العاصمة، وهذا الانتشار رغم أنه يعتبر كبيراً بمقاييس منظمة الصحة العالمية، إلا أنه لولا الجهود التي تبذل من قبل وزارات الصحة اتحادياً وولائياً لتضاعفت الأرقام، ويقوم عمل وزارات الصحة في محاربة الأوبئة على عدد من المحاور أبرزها المتعلق بالرصد والترصد للمرض القائم على وحدات التبليغ الفوري عند ظهور وباء في مراحله الأولى، وكذلك محور التدخل السريع والتصدي للأوبئة، ويعتبر السحائي من أكثر الأوبئة التي تركز على محاربتها وزارات الصحة.
تثقيف صحي
ظلت الأوساط الصحية عبر أزمان بعيدة تشكو من عدم التثقيف الصحي للمواطن من قبل الإعلام، الأمر الذي يعرضه للأوبئة، موضحة ضعف الدور الإعلامي للتثقيف الصحي وتكلفته الباهظة، وشكت من قلة الكوادر العاملة والمؤهلة وعدم استقرارها في العمل على المستوى الاتحادي والولائي، كاشفة عن ضعف القدرة التخزينية للمخزون الاستراتيجي لمكافحة الأوبئة، وظلت الأوساط الصحية والعاملون بها يتجرعون عدم الاهتنمام، غير أنه من واقع التجارب التي عاشها العاملون الصحيون بإدارة الوبائيات المتمثلة في تصديهم لأمراض خطيرة ومجهولة دون تأمين مستويات السلامة المطلوبة وتوفير الضمانات التي تكفل لهم حقوقهم في المعالجة والتأمين، فإن ذلك أمر يستحق الوقوف عنده ووضع الحلول المناسبة له، واعتبروه أيضاً من المعيقات التي تحتاج لمعالجة.
ضعف إمكانات
ظلت الميزانية المرصودة للصحة برغم دعمها من جهات ومؤسسات خارجية توصف بالضعيفة، والتي لا يمكن أن تقابل المشاكل الصحية بالبلاد، وقطعت وزارة الصحة في وقت سابق بأن ضعف الإمكانات يؤثر سلباً على مكافحة الأوبئة، خاصة في الولايات بالرغم من أن عدداً من الولايات ظلت تبذل جهوداً مقدرة بالتعاون مع وزارة الصحة الاتحادية في مكافحة الأوبئة، التي يظهر العديد منها بالولايات، منها الجرب والجذام، وتلجأ العديد من الولايات إلى تنفيذ واسع لبرنامج إصحاح البيئة نسبة لعدم امتلاكهم إمكانات كافية لمكافحة ومحاصرة الأوبئة، وظلت الولايات لسنوات عاجزة حتى من مكافحة الملاريا والتي انتشرت ببعض الولايات كوباء بين مختلف الفئات العمرية.
مطالبات وحلول:
وترى وزارة الصحة الاتحادية أن عمل مكافحة الأوبئة يحتاج لعدد من الاشتراطات، أهمها بناء القدرات على المستويين الاتحادي والولائي، وحشد الدعم السياسي والمناصرة لتنفيذ الخطة الاستراتيجية للوبائيات، وتذليل العقبات الإدارية والمالية، وإعطاء أولوية لمشروعات مياه الشرب، وتفعيل دور الحجر الصحي بالموانئ، وسد النقص في الكوادر البشرية بالولايات، وتحديد مسؤوليات إدارة مياه الشرب، وتضمين تشريعات تضمن سلامة مياه الشرب، وغيرها من توصيات ترى الوزراة أنها إذا أُنزلت على أرض الواقع كفيلة بمحاربة الأوبئة.
موقع جغرافي
ويقول مدير الوبائيات الأسبق بوزارة الصحة الاتحادية د. بابكر المقبول في تصريح لـ(الصيحة) إن إدارة الوبائيات منذ القدم ظلت تلعب دورًا كبيراً تجاه الأحداث والطوارئ الصحية التي فرضها الموقع الجغرافي من انتشار الأمراض المدارية، وغير المدارية والتي يكثر انتشارها في حزام ساخن بخلاف الدول المجاورة للسودان في القارة الأفريقية المنتشرة بحدود عرض محددة من شرق القارة إلى غربها، وموقع السودان جعله يتصف بحدوث أوبئة متكررة فيها ما يتكرر كل 10 أعوام وأكثر، ووبائيات أخرى تتكرر في فترات بسيطة تتراوح من سنتين أو ثلاث سنوات، مثل السحائي، الحمى الصفراء والإسهالات المائية، حمى الضنك وحمى الشيكونغونيا التي ظهرت أخيراً في كسلا.
متغيرات
ويضيف المقبول أن انتشار تلك الوبائيات في صورتها الأخيرة يعزى من قبل العلماء إلى التمدد العمراني، والحياة الحضرية، تصحبها متغيرات جغرافية والحاجة إلى المياه وتخزينها، والسودان غير بعيد عن كل تلك التغيرات وإنشاء الخزانات مثل خزانات عطبرة وستيت، وهذه المسطحات حسب المقبول تعمل كمتغيرات تعمل على توالد الحشرات، ومثلها المشاريع الزراعية مثل مشروع الجزيرة، والمناقل وغيرها، غير أن الرقعة الزراعية توسعت كثيراً.
كل هذه الخلفية جعلت السودان يجابه خطر تكرار الوبائيات، غير أن عددا من الدول الأخرى بفعل مناخها ظلت آمنة ولا تشكو خطر تردد الوبائيات مثل دول الجزيرة العربية سواء كان ذلك نتيجة للمناخات الباردة أو الحارة بعكس السودان الذي يساعد مناخه على انتشار النواقل.
معالجات
كانت وزارة الصحة تخطط وتضع الخطط الاستراتيجية بما يهدف إلى المكافحة بصورة ممرحلة وإستراتيجيات متعددة منها التطعيم ومكافحة النواقل، وقال المقبول إن الوزارة عملت على أن تمتلك كل ولايات السودان قدرة من الكوادر البشرية والمعدات بما هو قادر أن يؤدى دوره من خطط والسيطرة على هذه الأمراض، وضرب مثالاً لذلك القضاء على السحائى إذ مضت 10 سنوات لم يشهد السودان وباء السحائي، منوهاً أنه لم يكن يتأتى للسودان الوقاية ضد مرض السحائي، إذ لم ينفذ استراتيجية التطعيم لأجيال متعاقبة إلى أن وصل إلى الجيل الحالي، معتبراً ذلك سر اختفاء السحائي البكتيري ، كما ضرب مثلاً بالحملة القومية للحمى الصفراء، مؤكداً أنها أحدثت وقاية، منوهاً إلى أن التطعيم يكسب وقاية مدى الحياة، فضلاً عن إدخال التطعيم للأطفال حديثي الولادة، غير أن هناك استراتيجيات مشتركة مع وزارة الثروة الحيوانية لتطعيم القطاع الحيواني، إذ اعتبر المقبول أن كل هذه الجهود تمخضت عن السيطرة على عدد كبير من الأوبئة، فضلاً عن توفير وتأهيل الكوادر ومعينات المكافحة والرش وخلافها وإنشاء معاهد بحثية في سنار والجزيرة ووضع خطط سنوية لمواجهة فصل الخريف، هذا خلاف أن الوزارة تمتلك شبكة للتبليغ تغطي الكثافة السكانية المنوط بها التبليغ الإسبوعى، واليومى فى حالة الأوبئة، فضلاً عن تطوير المعامل، مشيرًا إلى أن السودان مربوط بشبكة عالمية لمتابعة سريان فيروسات مثل الإنفلوزا ويشارك مع معامل أخرى جلبت نتائج مُرضية.
تحديات
أقر المقبول بوجود تحديات تساعد على انتشار الوبائيات منها المناخ غير الملائم والحدود المفتوحة بدول تساعد على سهولة حركة الإنسان والحيوان فضلاً عن التمدن والطفرة الصناعية وعوامل الهجرة البشرية ودخول عدد كبير من الأجانب إلى البلاد ووفودهم بشكل يؤدي إلى احتمال حدوث أوبئة، داعياً إلى ضرورة استبقاء العمالة ذات الخبرة المدربة والتي تقابلها هجرة، داعيًا إلى ضرورة الاكتفاء بالكوادر والتغطية الشاملة، وتوقع عدم حدوث أوبئة خلال الفترة المقبلة بفعل المواكبة والمراقبة والقدرات التي تمكن البلاد أن تكون في وضع مطمئن، مشيراً إلى سيطرة وزارة الصحة على السحائي والحمي الصفراء، وأقر بوجود أوبئة لا توجد إستراتيجيات للسيطرة عليها، وأردف: نحن في وضع مطمئن، وأن البلاد استطاعت القضاء على عدد من الأمراض بشهادة دولية، وأن النتائج كانت جيدة ومقبولة عالمياً، مؤكداً أن هناك دولاً لا زالت تعاني من الكوليرا والإيبولا، وأشاد بدور الإمدادات الطبية في توفير كل المحاليل والمستهلكات، معتبرها صمام أمان، مؤكداً أنها وفرت الدواء الذي استطاعت بفعله الوزارة القضاء على الإسهالات المائية.
مستوطنة
أكد مدير الطب العلاجي الأسبق عبد الحميد يوسف السيسي في تصريح لـ(الصيحة) وجود أوبئة مستوطنة تصنف في القائمة (أ) منها الجدري الذي قال إنه تمت مكافحته تمامًا والشلل الرخو، منوهاً إلى أنه تحت السيطرة فضلاً عن حمى الدينقو التي انتشرت بمدينة بورتسودان في العام 2011، وأشار إلى وبائيات أخرى مصنفة تحت مسمى القائمة (ب) مثل الإسهالات المائية والسحائي مؤكداً أن تلك الأوبئة متواجدة وتأتي في فترات على شكل موجات، مشدداً على أن حمى الكنكشة المنتشرة بولاية كسلا تعتبر إحدى الحميات النزفية، وأرجع انتشار الأوبئة إلى قلة التطعيم وعدم الرش بالمبيدات وسوء التغذية، وتردي البيئة وانتشار المياه الراكدة، وعدم توفر مؤسسات وقائية ونقص التوعية وانتشار الذباب والبعوض وتلوث اللحوم، معتبراً كل تلك أسباب تؤدى إلى انتشار الأوبئة.
الصيحة
