مقالات

عالم الأولاد “الحلوات” …من الجاني؟ ..ومن الضحية ؟..وماهي قصة الشاب “توتا” وممارسة الجنس

جلست بالقرب منهم استرق السمع إليهم وكانوا  يتحدثون بلهجة نسائية واضحة حتى يُخيل لمن يسمعهم أنهم مجموعة من النساء
و يحكي “توتا” (العلاقات تمتد على مستوى السودان، يتشاركون في مناسباتهم الخاصة في مجتمع سري مترابط ومتلاحم بشكل قوي للغاية..)

عالم خفي لا يُرى بالعين المجردة رغم أنه يعيش قريبا وربما بيننا.. عالم (الحلوات) كما يسميه أهله.. أو (المثليين) كما يطلق عليه رسميا، وهم (الشواذ جنسيا) من الرجال.. ظواهر ليست وليدة اليوم أو الأمس القريب لكنها في الظلام تستتر من القانون وقبله (العيب).. من المجرم ومن الضحية في هذا العالم الغريب ؟..

أصل الحكاية..
كنت أتجول في أسواق ضاحية “أمبدة” بأمدرمان، بدون سابق إنذار لفت نظري مشهد مثير للدهشة: مجموعة من الشباب في أعمار غضة يرتدون ملابس خليعة تشبه ملابس النساء من ألوانها الزاهية الصارخة و القماش الذي تستخدمه عادة الفتيات.. بل وأكثر من ذلك..  حتى الأصوات يبدو فيها نكهة نسائية مصطنعة أو ربما شبه طبيعية.. فضولي الصحفي دفعني لمتابعة الأمر وسبر غوره.. هل هي مجرد صدفة نادرة أم أنها ظاهرة لكنها تحت ستار الحذر محجوبة عن أنظار المجتمع ؟

ذهبت إلى حيث كانوا يتجمعون في مقهى بالسوق، لا داعي لذكر اسم المقهى حتى لا يتطاير عليه رزاز الوصمة.. لكنه مكان يجتمع فيه  الشباب لتعاطي “الشيشة” وشرب  القهوة والشاي.. جلست بالقرب منهم استرق  السمع إليهم وكانوا يتحدثون بلهجة نسائية  واضحة حتى يُخيل لمن يسمعهم أنهم مجموعة من النساء، ضحكاتهم فيها دلال النساء ذاته بل وأكثر..
حاولت أن أتقرب من بعضهم حتى أقتنص فرصة استنطاقهم.. في البداية تطوعت بدفع تكلفة “الطلبات” من (قهوة وحجار شيشة) حتى أتودد إليهم.. كان هذا هو المدخل المناسب.. ويبدو أنه نجح في كسر حاجز الرهبة وتجسير الثقة.. أحدهم، وكان يجلس قريبا مني، عرفني بنفسه.. قال لي اسمه الحقيقي، ولكن بشيء من الايحاء أكمل التعارف بأنهم ينادونه بـ (توتا)..

دعوة من “توتا”..
يبدو أن “خارطة الطريق” أمام هؤلاء الشباب واضحة وسهلة وسريعة لا تحتاج إلى مقدمات طويلة.. بعد تعارف قصير ومختصر فاجأني “توتا” بدعوة لاحتساء فنجان قهوة بمنزله..
مهمتي الصحفية لا تعرف الحدود، حيثما كان مكان الحصول على معلومات.. وافقت وفعلا استجبت لدعوته.. تحركنا صوب أحد المنازل قريبا من السوق.. المنزل متواضع ولا يبدو عليه ما هو مريب.. به غرفة و صالة (برندة) مرتبة بطريقة جميلة وتفوح منها الروائح والعطور النسائية.

قهوة بطقوس!
قام أحدهم بأمر من “توتا” بتجهيز “القعدة” و “عدة الجبنة”.. اندهشت من دقة الترتيب و البخور و”استايل” الجبنة وطقوسها الجميلة.. كل ذلك مصحوب بترديد بعض الأغنيات التي تمجد شراب “الجبنة”.. في زحمة هذه الأجواء بدأ يسرد لي حكايته..

قصة “توتا”..
“توتا” قال لي إنه من مواليد مدينة بورتسودان في العام 2000.. عاش أياما عصيبة في حياته..(كنت في مرحلة الأساس بالصف الثالث وعمري وقتها لم يتجاوز التسعة أعوام..)
حكي لي أن أحد جيرانه، ويستأجر جزءا من منزل أسرته، اغتصبه ذات غفلة من أهله.. فأخبر الطفل أسرته  بالحادثة.. الأسرة لم تتردد وفتحت بلاغا لدى الشرطة.. وتحول إلى المحكمة وفعلا بعد جلسات عدة صدر الحكم على المغتصب بالإعدام.. لكن القصة لم تنته حتى ولو انتهت حياة الجاني المغتصب!!

الأقصاء والعزل والابتعاد
وصمة الجريمة لاحقت الطفل الصغير، خاصة أن إجراءات البلاغ ثم المحاكمة كشفت كل شيء للمحيطين به.. وبدلا من ذئب واحد عابر، أطل في طريق الطفل ألف ذئب ممن جذبتهم رائحة دماء الفريسة.. بدأ الطفل يتعرض لمضايقات شباب الحي.. تبدأ باللسان وتنتهي بالمراودة والابتزاز.. واستخدموا ضده أقسى سلاح.. الاقصاء والعزل والابتعاد عنه للضغط عليه بأحاسيس الوحدة..

غياب مراكز التأهيل النفسي
كان واضحا أن القانون يحقق العدالة في الاقتصاص من الجاني، لكن في المقابل يفتح الباب لألف مجرم متخفٍّ في الظلام.. في ظل غياب مراكز التأهيل النفسي التي يفترض أن تعالج آثار مثل هذه الجرائم وتعيد الثقة بالنفس للطفل الصغير الذي وجد نفسه فجأة في لجة مظلمة يكابد السير فيها وحيدا في وادي الذئاب البشرية المفترسة.
بدأت قلاع الطفل تتحطم، وأشرعة مراكبه تدفعها الرياح العنيفة.. بدايات بسيطة يحاول بها التقرب من المجتمع وايجاد ثغرة تعيده للحياة العادية، لكنها سرعان ما اتسعت وبدأت الريح القوية تدفع السفينة في عرض البحر..

ميلاد جديد وأسم جديد
ويواصل “توتا” عرض حكايته.. (تجاهل أسرتي لي وعدم اهتمامها بي جعلني أنزلق بالتدريج دون وعي منى حتى وصلت مرحلة الإدمان..).
سألته ولكن ألم تلاحظ أسرتك التغيير في سلوكك أو الشبهات التي بدأت تحوم حول حياتك الخاصة؟
رد عليّ وبعض الأسى ينحدر في شكل قطرات دموع على طرفي عينيه..
(للأسف، كانوا مشغولين عني، اعتقدوا أنهم أكملوا المهمة بالقصاص من الجاني.. فتركوني أتلمس طريقي في الظلام وحدي رغم صغر سني..)..
قال لي “توتا” (في غياب أسرتي تولت أمري مجموعة منحرفة من الشباب، فبعد أن نجحوا في استغلالي جسديا ونفسيا، بدأوا في تشكيل مسار حياة جديدة لي.. مسار يبدأ بتغيير اسمي الحقيقي بآخر نسائي.. ميلاد جديد في عالم جديد.. أحاطوا بي من كل جانب)..
ويمضي “توتا” في حكايته، انفتح لي باب كبير على مجتمع كبير، فيه عدد مقدر من أقراني.. وفيه اهتمام وتقارب أقرب لي من أسرتي نفسها.. مساعدة عند الحاجة ومؤانسة عند الضيق.. فيه رحمة متبادلة.. رغم كل شيء.. أصبح لنا مناسباتنا الخاصة واهتماماتنا وعالمنا الخاص.. بل والبعض ذهب أكثر فكون أسرة من النوع ذاته.. تزوجوا معا ليكونوا أسرة مثلية).

و يحكي “توتا” (العلاقات تمتد على مستوى السودان، يتشاركون في مناسباتهم الخاصة في مجتمع سري مترابط ومتلاحم بشكل قوي للغاية..).
يبدو أن وسائط التواصل الاجتماعي تسهل تجمعهم وحركتهم كما قال لي “توتا” فهناك بعض المجموعات في الفيسبوك والواتساب توفر لهم تبادل أخبارهم والتعرف على أحوال بعضهم البعض..

منظمات!!
وقال لي “توتا” إن هناك منظمات أجنبية تعمل على حصرهم وتقديم الإرشادات وأحيانا توزيع (الواقي) عليهم لحمايتهم من الأمراض المنقولة جنسيا..(كما تعلمنا صناعة بعض المأكولات للتغلب على الظروف المعيشية بالإضافة لتوعيتهم صحيا)..

كوش نيوز


الوسوم

أكتب تعليق

اضغط هنا لكتابة تعليق

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.