حل نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي (حميدتي) أمس، ضيفاً ليومين على الرئيس الأريتري أسياس أفورقي، رفقة وفد يضم مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني، ومدير الشرطة، وعضوين من اللجنة الأمنية بالمجلس العسكري. وقالت الأخبار إن هذه الزيارة الطويلة نسبياً تأتي في إطار مساعي المجلس العسكري للتوصل لاتفاقيات مع الحركات المسلحة.
حسناً، لا بُدّ أن نؤكد بدءاً، أن لا حركات سودانية مسلحة في أرتيريا، عدا مفرزة (بجاوية) صغيرة ظل أفورقي يحتفظ بها لابتزاز نظام المخلوع البشير بعيد توقيع اتفاقية سلام شرق السودان (المثقوبة).
إذاً، زيارة حميدتي لأسمرا، ليست من أجل الهدف المُعلن لها، وإنما لأسباب أخرى ذات صلة بالمستجدات في الساحة السودانية أعقاب موكب 30 يونيو العظيم، وقبول المجلس العسكري – تكتيكياً – على الأقل، بالمبادرة الإثيوبية/ الأفريقية، إذا اعتبرها تمثل قاعدة ممتازة للتفاوض، بعد أن ظل يرفض التعامل معها ويلتف عليها ويسوف ويماطل من أجل إجهاضها وتجاوزها، لكن اضطر أخيراً وبعد التفويض الشعبي الكبير الذي نالته قوى إعلان الحرية والتغيير من قبل الشارع في الثلاثين من يونيو المنصرم إلى الرضوخ للأمر الواقع، وهذا ما لا يقبله الرئيس الأريتري الذي يحكم بلده بالحديد والنار منذ نحو ثلاثة عقود، بلا برلمان ولا ميزانية ولا إعلام ولا أحزاب سياسية، يخرج ببلدة من حرب إلى حرب جديدة، ومن أزمة إلى أخرى، يجند الشباب والشابات في الخدمة الإلزامية لسنوات غير محدودة فيضطرون للهروب إلى السودان كمعبر إلى ليبيا أو مصر ومن ثم إلى أوروبا عبر الصحراء والبحر فيموت جلهم وتنجو قلة منهم.
بطبيعة الحال، فإن أفورقي لا يُريد ديمقراطية في السودان، لأنها ستؤثر عليه بشكل مباشر حيث إن الأريتري والسوداني هما في الواقع (شعب واحد) ممتد بين بلدين كما هو الحال بالنسبة لتشاد ومصر وغيرهما.
وعليه فإن زيارة حميدتي إلى أريتريا تعني شيئاً واحداً فقط، وهو إنه أفورقي سينصحة بمزيد من القمع والتنكيل والقتل والتعامل بشدة مع (الخونة) الذين يريدون نظام حكم ديمقراطي مدني، وللرجل خبرة طويل في مثل هذه الأمور، إذ هو كما وصفة السفير الأمريكي السابق في أسمرا رونالد ماكمولن وفقاً لتسريبات ويكيليكس: “بأنه مجنون وانطوائي ومتقلب المزاج وينفق جل وقته في محاولات فطيرة للرسم، وبسبب سياساته الطائشة فإن الشبان الأريتريين يفرون من بلادهم بالآلاف، والاقتصاد سقط في دوامة الموت، وامتلأت سجون أريتريا عن آخرها بينما بقي الدكتاتور المنفلت من عقاله على قسوته وتحديه، وإن 80 % من الأريتريين يعملون في مزارع بالقرى الصغيرة، ويعتمد كثيرون منهم على الاقتصاد النقدي وينتجون بعض ما يحتاجونه كي يبقوا على قيد الحياة”.
إذا كان حال الرئيس الأريتري كذلك، فماذا يتوقع أن يقدِّم للسودان ولحميدتي شخصياً، غير أن يحثه على تسريع خطاه نحو استلام السلطة عبر أدوات القمع والبطش وآليات الموت، فإذا استمع (حميدتي) إلى نصائح الرجل، فإنه سيضع نفسه مباشرة في مأزق أكثر مما هو ماثل الآن، لذلك على المجلس العسكري ممثلاً في (حميدتي) أن يتوخى الحذر، فأفعى أريتريا متأهبة للدغه في أي لحظة، فقد لدغت حكومة البشير، ثم المعارضة والتجمع الوطني الديمقراطي وجبهة الشرق، وحركتي تحرير السودان والعدل والمساواة، وها هي الآن ترفع رأسها لـ(حميدتي).
عبد الجليل سليمان
