في الفضاء العام المصري، يكادُ يُجهد الباحث أو الصحفي من فرط المظاهر التي تستحق التأمل والتتبع والاستقصاء، فلا يكاد يمر يوم في هذه البلاد التي تتناسل فيها العجائب والتغيّرات المضّطردة، إلا وتتولد لدى المتأمل أسئلة من قبيل: كيف يحتمل هذا الشعب معيشته؟ وكيف يتأقلم مع كل تلك التغيّرات التي تمس أقرب تفاصيل حياته اليومية؟ في الحقيقة، يمكن طرح هذه الأسئلة على عدد من بُقع الجغرافيا العربية على اتساعها، واتساع أزماتها. لكننا معنيون هنا بمصر، فكثير من التحولات الجذرية في السنوات العشر الأخيرة طالت أنماط العيش، والتدين، والفاعلية السياسية، والاستقرار النفسي لدى الشعب المصري الذي يحتل المرتبة الأولى في كثافة السكان من بين الدول العربية.
ولأننا معنيون باستقصاء ظاهرة محددة وتتبع مساراتها، فإن الحديث عن انتشار التصوف، وتصدّر رموزه للشأن الديني العام، ورعاية الدولة له في السنوات الأخيرة، وانتشار محاضنه في ربوع المحافظات المصرية المختلفة، يعني أننا أمام تغيّر بارز يستحق الوقوف عنده ورصد ملامحه. ووفق المناخ السياسي العام الداعم للتصوف بمصر، برزت على السطح ظاهرة محددّة بلجوء الفتيات اللاتي حصلن على التعليم الجامعي -على الأقل- ويتمتعن بقدر من الاستقلال المادي؛ لجوئهن للبحث عمّا يعرف في الأوساط الصوفية بالشيخ المربّي، خاصة بارتباط هذه الظاهرة بفشل مسار ثورة يناير. وقد قادتنا مساعي الإجابة عن سؤال التقرير في “ميدان” للبحث في عدد المساحات التي تتصل بموضوعنا وهي على أهميتها، نلخصها للقارئ بتبيان خريطة التقرير المطوّل حتى ينتظم المسار قبل الخوض فيه:
أولًا: رصد خريطة كيانات التعليم الشرعي في مصر بعد ثورة 25 يناير 2011 في مصر وأسباب ظهورها؛ فهذه الكيانات كانت بوابة تنفذ منها بعض الفتيات للتصوف، ولبدء رحلة البحث عن الشيخ المربي. ونستمر في هذه النقطة لبيان الكيفية التي امتدت بها هذه الكيانات بعد انقلاب 3 يوليو 2013 وما العوامل السياسية والاجتماعية التي ساعدت على هذا الانتشار؟
ثانيا: عرض قصص لفتيات قمنا بمقابلتهم في “ميدان”، وهي قصص تكشف لنا دوافع الانتماء ومظاهره، فبين البحث عن بديل لغياب الأب، وبين قصة الخيبات التي كشفت عن استغلال بعض “المُربّين” لتأثيرهم استغلالا مُشينا، فإن كشف تلك الخبايا بلسان أصحاب التجربة، يعطينا مزيةَ امتلاك نظرة واقعية، وإن لم تكن شاملة، لأسباب هذه التجربة، وطبيعتها. لماذا أسمينا هذه الظاهرة بالتصوف العاطفي؟ وذلك لفرط المبالغة في تقديس الشيخ والتعبير عن هذا التعلق العاطفي به ورؤيته كأب وسند في هذا الحياة، فنرى هنا كيف أن العلاقة مع الشيخ لا تقتصر على دوره الديني أو قيامه بتغذية الجانب الروحي لمريديه، ولكنها تعكس هشاشة اجتماعية في المجتمع المصري، وسعى الفتيات للبحث عن مأوى عاطفي وسند اجتماعي في ظل هذا التفكك والجفاء العاطفي وغياب الآباء الذين يقومون بدورهم، فضلا عن الهزيمة السياسية والخواء الروحي في المجتمع المصري الحالي مع طغيان الفردانية والمادية في المجتمع الحالي مع الرغبة في الانفلات من الروابط الاجتماعية المرهقة للأفراد والبحث عن روابط أخرى بديلة.
ثالثا: في الجزء الأخير من هذا التقرير، نركّز على بيان أسباب هذه الظاهرة وفق الاستنتاجات التي خلُصنا إليها بالمقابلات، وقد فصّلنا تلك الأسباب المتّصلة ببحث الفتيات عن الشيخ المربي في أربعة أسباب رئيسة، سيتم توضيحها خلال التقرير.
نص التحقيق:
في شهر أبريل/نيسان 2018 أُثيرت ضجة واسعة على “فيسبوك” بين أوساط الشباب المهتمين بدراسة العلوم الشرعية في مصر حول حادثة بعينها. قصة هذه الحادثة أن مجموعة من الفتيات تعرضن للإيذاء من أهاليهن بسبب التحاقهن بشيخ طريقة مغربي يُدعى “عبد الغني العمري”، ليترتب على تلك “المُشاجرة” هرب الفتيات من منازلهن، وهو الحدث الذي دفع الأهالي لاتهام “شيخ الطريقة” بأنه السبب وراء تركهن المنزل، وتصاعد الأمر حتى وصل إلى النيابة العامة، الأمر الذي رافقه تدفق متزايد للأنباء الدائرة حول هذا الحدث ما بين تهويل، وإثارة، وتجاهل.
الشيخ عبد الغني العمري
ورغم صعوبة التواصل مع تلكنّ الفتيات أو أهاليهن للوقوف على تفاصيل هذه الواقعة والتأكد من مدى صحة ما أُثير حولها، فإن ما يعنينا في هذا التقرير المطوّل المستند إلى المقابلات الحيّة الخاصة بـ “ميدان” لعدد من المنتمين لتلك التيارات بالإضافة إلى الاطلاع على المصادر ذات الصلة، فإن ما يعنينا هو رصد هذه الظاهرة “البحث عن الشيخ المربّي” التي برزت في مصر، وبصورة جليّة، عقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 بين أوساط الفتيات المتعلمات والمهنيات المنخرطات في سوق العمل تحديدا، واللاتي يحظى معظمهن بقدر من الاستقلال المادي، وينتمين إلى شرائح عليا ومتوسطة من الطبقة الوسطى، ويعملن في مجالات كالطب والصيدلة والهندسة والتدريس ويعمل بعضهن في عدد من الشركات الخاصة أو الشركات متعددة الجنسيات، ويتراوح متوسط أعمارهن بين 20 حتى 35 عاما. هذه الظاهرة شملت التحاق الفتيات بعدد من الطرق الصوفية وإقبالهن على تعلم العلوم الشرعية على يد مشايخ أزهريين، وترديدهم دوما أنهن يبحثن عن الشيخ المربي.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا تلجأ هؤلاء الفتيات للبحث عما يُعرف بـ “الشيخ المربي”؟ ولِمَ يحرصن على اتباع طريقة صوفية، ويسعين ليصبحن مريدات لبعض المشايخ المتصوفة؟ وما التغييرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في المجتمع المصري التي ساعدت على وجود هذه الظاهرة؟ ولماذا تزايدت لدى الفتيات بعد الثورة؟ وهل للثورة حقا دور في هذه الظاهرة؟ وإن كان نعم، فكيف؟
والحقيقة أن السعي للإجابة عن هذه الأسئلة قادنا بالضرورة للتعرف ابتداء على خريطة كيانات تعلّم العلوم الشرعية في الفترة اللاحقة لثورة يناير، ثم تتبع مسار تلك الكيانات عقب انقلاب 3 يوليو/تموز 2013، والوقوف على تجارب بعض الفتيات مع تلك الكيانات، ومن ثم السعي لاستنتاج تحليل متماسك لفهم هذه الظاهرة، ومن ثم السعي للإجابة عن سؤالنا المركزي: لماذا تبحث الفتيات المهنيّات عن الشيخ المربي؟
لا يستهدف هذا التقرير الاستقصائي المطوّل مناقشة التصوف كعلم أو كتجربة روحانية ذاتية خاصة بالأفراد، ولا يسلط الضوء على دراسة الحركات الصوفية التي لها تاريخ ممتد في مصر، بل يناقش البُعد الاجتماعي والسياسي لظاهرة محددة، وهي ظاهرة لجوء بعض الفتيات المهنيات للتصوف، وهي الظاهرة التي برزت بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 كما أشرنا سابقا، ومن الثورة ننطلق.
الجزيرة
