وجد السودانيون أنفسهم مجبرين على ختام العام 2019م بصراعات ونزاعات وتفلتات في شرق البلاد وغربها بل وحتى العاصمة الخرطوم شهدت أحداثاً وأعمال عنف مخيفة، راح ضحيتها العشرات وأصيب المئات، لكن السواد الأعظم من السودانيين لا يعتبرون أن مظاهر التفلت الأمني في البلاد، صُدفة وإنما أمر مرتب بدقة، ويحملون فيه المسؤولية كاملة للأجهزة الأمنية والشرطية عن حماية البلاد وبسط الأمن، وتحديداً تحميل مسؤولية الأحداث لوجود عناصر من النظام السابق في موقع المسؤولية سواءً في الشرطة أو المخابرات العامة وحتى القوات المسلحة.
أسباب متضاربة
في الجنينة وإن بدأت أسباب اندلاع النزاع مُتضاربة، إلا أن الرواية الرسمية لحكومة الولاية، أفادت أنه في تمام الساعة الثامنة مساء يوم (الإثنين) الماضي وصل المواطن حامد بشارة إلى مدينة الجنينة قادماً لتوه من مدينة نيالا، إلا أنه وعند وصوله لمنطقة سوق (روقو) وفي طريقه إلى منزله تم الاعتداء عليه بطلق ناري، مما أدى لوفاته في الحال، إثر ذلك تجمع عدد من ذويه، وأثناء قيامهم برفع جُثته، تم إطلاق نار في نفس المكان لم ينتهِ الحدث عن ذلك حيث تم إغلاق شارع سوق (روقو روقو) ونتج عن ذلك نشوب حريق بالسوق، تدخلت عربات إطفاء تتبع لسُلطة الدفاع المدني، ونتج عن ذلك أيضاً وفاة (3) أشخاص وسقط سبعة جرحى، تم نقلهم إلى المستشفى لتلقي العلاج، لتتحرك قوة مشتركة من القوات المسلحة والشرطة والمخابرات العامة لاحتواء الموقف أمنياً.
شبه إضراب
وزادت وتيرة النزاعات بصورة كبيرة في عدد من مدن البلاد شرقاً وغرباً ووسطاً لكنها كانت الأعنف في الجنينة وبورتسودان حيث شهدت سقوط عشرات القتلى، لكن اللافت في كل الأحداث التي شهدتها بورتسودان والجنينة والخرطوم كان غياب شبه تمام للقوات النظامية عن القيام بدورها المنوط بها في حفظ الأمن وحماية الأرواح. في الخرطوم غياب القوات النظامية كان واضحاً للعيان ففي ليلة رأس السنة في كل عام كانت لجنة أمن الولاية تعقد اجتماعاً تعمل من خلاله على وضع خطة لتأمين الخرطوم لدرجة لو رمى شخص حجراً لوقع في نظامي، لكن لم يجد الكثيرون أي مبرر للغياب شبه التام للقوات النظامية وتقاعسها عن أداء دورها وواجبها الذي تتقاضى مقابلة المرتبات وتمتطي بموجبه المركبات، سوى الحديث والتبرير الذي وصفه مراقبون بالفطير عن تعرض القوات النظامية لاستفزازات من قبل بعض الشباب، وكان الأجدى لو عملت القوات النظامية على معالجة الشرخ والثقة التي حدثت بينها والشعب، بدلاً من حالة شبه الإضراب التي نفذتها القوات النظامية والاحتجاج على ترديد بعض الشباب لشعارات قديمة لكنها ما زالت تتجدد بتجدد المسببات التي قيلت بسببها أيام القمع والقتل والضرب والمطاردات ورمي البمبان في البيوت وآخرها فض الاعتصام. ويبقى السؤال المحير عن مبرر غياب القوات النظامية عن دورها بعد سقوط البشير والاتفاق الذي تم بين شركاء التغيير ومضاعفة مرتباتهم من دونهم من القطاعات الأخرى؟ في بورتسودان اتهام القوات النظامية بالتباطؤ في التعامل مع الأحداث على لسان الجميع.
إضعاف
الملاحظ في الفترة الأخيرة التي سبقت الأحداث في عدد من المدن، بروز أصوات من بعض قيادات القوات النظامية تتهم قوى الحرية والتغيير بإضعاف القوات النظامية، مع أن كل قرارات القوات في الفترة الماضية بيدها وتختار قائدها ووزيرها بنفسها بنص الوثيقة الدستورية رغم أن منصب وزير الداخلية ومدير جهاز المخابرات العامة إبان فترة نظام البشير كان يتم فيه تعيين أشخاص من خارج تلك المنظومات بل بعضهم لا يعرفون (هل البندقية ضكر أم انتاية)؟
شائعات الإقالة
غير أن ناشطين بوسائل التواصل الاجتماعي طالبوا بإقالة مدير عام قوات الشرطة الفريق أول شرطة عادل محمد بشائر من منصبه، وراجت شائعة بإقالته، على خلفية التفلتات التي شهدتها العاصمة، ما جعل المكتب الصحفي للشرطة ينفي تلك الأنباء، ويقول إن تلك الأنباء عارية من الصحة تماماً، وأوضح مدير إدارة الإعلام والعلاقات العامة بقوات الشرطة، اللواء حسن حامد أحمد، إن الأنباء عارية تماما من الصحة، وتجيء فى سياق يهدف لتقويض الأمن وإحداث بلبلة وسط قوات الشرطة والأجهزة الأمنية، ودعا إلى التوثق من الجهات المختصة حيال الأنباء.
حل المنظومة الأمنية
في وقت اعتبر تجمع المهنيين أن “مظاهر التفلت الأمني أمر مرتب بدقة، محملاً المسؤولية كاملة للأجهزة الأمنية والشرطية عن حماية البلاد وبسط الأمن، وقال التجمع في بيان إن “ما يحدث الآن من مظاهر تفلت هنا وهناك، لا نعتقد أنه صُدفة ولكنه أمر مرتب بدقة سنقف له بالمرصاد، ونحمل المسؤولية كاملة للأجهزة الأمنية والشرطية لحماية البلاد وبسط الأمن الذي هو مسؤولية مباشرة ومبرر لوجود المكون العسكري كشريك في حكومة الثورة، وطالب التجمع الحكومة باتخاذ خطوات جادة لحسم هذه المظاهر، من خلال تغيير قيادة الجهاز الشرطي بدءاً بمدير عام الشرطة ورؤساء الهيئات، والإدارات العامة، واستبدالهم بمن يؤمن بالتغيير، ويستطيع المزج بين المدنية والحسم، ويفرق بين الفوضى والحرية، كما طالب بـالإسراع في إعادة هيكلة جهاز الأمن ليتوافق مع الثورة وأهدافها، فقد نصت الوثيقة الدستورية صراحة على هيكلة الجهاز وهذا الأمر قد تأخر كثيراً، وأشار إلى أن القانون الجنائي به من المواد ما يحسم ما نراه من تفلت يؤذي الآخرين، داعياً الأجهزة الأمنية إلى تطبيقها، بما يراعي “المبادئ الأساسية لحقوق الإنسان” وعدم أخذها “كذريعة لإضاعة الحقوق، والحط من الكرامة الإنسانية كما كان يجري أوان حكم النظام البائد.
اجتماع مرتقب
وفي مساء السبت الماضي التأم اجتماع مجلس الأمن والدفاع بالرئاسة، والذي يتشكل من رئاسة عبد الفتاح البرهان وكل أعضاء مجلس السيادة الانتقالي، إضافة إلى رئيس الوزراء والقائد العام للقوات المسلحة ووزراء الدفاع والداخلية والخارجية والعدل ووزير المالية والتخطيط الاقتصادي، واستمع لتقارير أمنية مفصلة من الشرطة، الاستخبارات العسكرية، جهاز المخابرات العامة عن الوضع الأمني في كل البلاد، بالتركيز على الأحداث الدامية بالجنينة، نيالا، بورتسودان والعاصمة، وقال عضو مجلس السيادة محمد الفكي إن القرار أصدر عدداً من التوجيهات قضت بنشر قوات إضافية في بعض المناطق وتعزيز حضور الشرطة في الطرق، كما وجه الاجتماع بتكوين لجنة تحقيق اتحادية لأحداث معسكر اليوناميد في نيالا، وأمر قادة الأجهزة الأمنية برفع تقارير مفصلة عن الوضع الأمني في كل أرجاء السودان لاجتماع مجلس الأمن والدفاع المنتظر انعقاده ختام الأسبوع الجاري.
هجوم مقصود
ما حدث بليلة رأس السنة في الخرطوم وحوادث بورتسودان المتكررة وكذلك حوادث الجنينة ونيالا ربما تكون حوادث مفتعلة من جهات تود تشويه التغيير الذي حدث وبصمة بالعلمانية و(الانحلال) والاستقلال من قيود المعتقدات السودانية، وأن من أراد ذلك حاول أن يدس السم في العسل وتشويه صورة المدنية التي حققها الشعب بإرادته وبدم الشهداء، وما حدث قبل أيام بسوق أم درمان من أفراد مجهولين وصفهم البعض بالنيقرز، والكل يدري أن تلك العصابات تمت محاربتها من قبل الشرطة إبان ظهورها قبل سنوات ولم نسمع عن هكذا (تهجم) بهذا العدد الذي ربما يكون مقصوداً.
تحرك متأخر
النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وفي تصريحات صحفية عقب التزام الأطراف المتنازعة بإقرار السلام والاستقرار بمدينة الجنينة، أرجع التفلتات الأمنية التي تشهدها البلاد لعدم فرض هيبة الدولة وتقييد الأجهزة النظامية من القيام بدورها، وقال إن هذا التقييد ستتم معالجته بإعطاء صلاحيات واسعة لأجهزة حفظ الأمن بالبلاد على أن يصاحب كل القوات المتحركة وكلاء نيابة، وحمل النائب الأول لرئيس مجلس السيادة الانتقالي حكومة_ ولاية غرب دارفور المسؤولية في تفاقم الأحداث، بسبب تحركها المتأخر لمعالجة المشكلة، الأمر الذي أدى إلى انفلات أمني وتأزم في الموقف، وحذر دقلو القوات النظامية من التقاعس عن القيام بدورها، ودعاها للالتزام بمهنيتها والابتعاد عن الانتماءات القبلية، وأبان أن الدولة ستتعامل بحسم مع كل ما يهدد الأمن القومي وسلامة المواطنين، وقطع بأن لا حصانة لأي شخص أو أي جهة آو كيان يهدد أمن الدولة والمواطن، معلناً أن قرارات سيادية ستصدر لمعالجة الخلل الذي أدى إلى انفلات عقد الأمن في الجنينة.
هيكلة المخابرات
غير أن القيادي بقوى الحرية والتغيير ساطع الحاج أكد أنهم اتفقوا بشكل واضح بأن يترك الجهاز للمكون العسكري تماماً، وإعادة هيكلة القوات المسلحة، وقطع ساطع للزميلة (الجريدة)، بأن كل الإصلاحات التي يجب أن يتم تطبيقها في جهاز الأمن والقوات المسلحة لن تكون بمعزل كامل عن رئيس الوزراء، واستدرك قائلاً: لكن القرار النهائي فيها يكون للمكون العسكري وهذا ما اتفق عليه، لكن اشترطنا أن يتم ذلك بعلم رئيس الوزراء، وشدد على أنهم استطاعوا كسر شوكة جهاز الأمن بتغيير اسمه ومهامه، ووصف ذلك التغيير بالكبير والنوعي، وأردف: الجهاز في الوقت الراهن ليس كما كان في السابق بل تم تصحيح مفاهيم وعقيدة منسوبيه، لجهة أن عقيدة الجهاز في السابق كانت موجهة نحو حماية النظام ورئيسه، ونوه إلى أن قيادات الجهاز تتحدث حالياً عن بناء جهاز قومي يحمي البلاد من الأعداء الخارجين بجانب التفلتات الأمنية، وأكد ثقته في إمكانية تأسيس جهاز كأجهزة الدول المحترمة والديمقراطية.
تقرير:عمر دمباي
صحيفة آخر لحظة
