بعثي السودان.. الذي وسوس له الشيطان!

الخرطوم : سودافاكس
فأول ما يتبادر للذهن عندما يطل رئيس مجلس السيادة السوداني بزيه العسكري، أو برتبته؛ أنه من نفس “العينة” التي عاصرناها بمصر في العصر الحالي، ومنذ أن اطلع الناس في بلدي على المجلس العسكري، والمستوى الثقافي المتواضع لأعضائه، بعد أن سلمهم مبارك الحكم وتنحى، أيضاً بالتجليات الخاصة بالجنرالات في اللقاءات التلفزيونية، والتي تضحك الثكالى. والذي زاد وغطى هو ظهور عبد الفتاح السيسي بـ”ثقافته الرفيعة”، و”اطلاعه الواسع”، و”علمه غير المسبوق”!

 

 

ولا شك أن هذه هي النماذج التي يعرفها المصريون عند نظرتهم للعسكري، ولهذا فهم ينظرون إلى أن “عبد الفتاح السوداني” هو الخالق الناطق “عبد الفتاح السيسي” وأن تشابه الاسم “عبد الفتاح” وتشابه الخلفية العسكرية، لا بد وأن يمثل مثلا شارحاً للحالة. وهم لم يتصل علمهم بالجنرالات المثقفين الذين تأثروا بمناخ ما قبل انقلاب العسكر في سنة 1952!

 

 

احتواء عبد الناصر للمثقفين:

وقد انشغلتُ لفترة من الزمن، بقدرة عبد الناصر بانقلابه على احتواء المثقفين الكبار، وعكفتُ على دراسة هذه الحالة، وخلصت إلى أن السبب المهم أن عبد الناصر بسعة اطلاعه على كتابات كبار المثقفين المصريين، أمكنه احتواؤهم، ومن العقاد وطه حسين، إلى خالد محمد خالد وعبد الرحمن بدوي. ولا ننسى أن سلاح الفرسان بالجيش المصري، كان منحازاً للديمقراطية أكثر من انحياز المدنيين لها، فبينما كانوا يخططون للانقلاب العسكري على عبد الناصر ورفاقه من أجل عودة الجيش إلى ثكناته، وعودة الحياة النيابية، كان عبد الرزاق السنهوري وسليمان حافظ وغيرهما يؤزرون الحكم العسكري العضوض.

 

 

ولا يمكن أن يكون موقف ضباط سلاح الفرسان، إلا عن إيمان بالديمقراطية، لا يقود إليه الجهل، ولكن الوعي الذي ينتجه العقل المثقف، والهمة العالية.

ويعد من الظلم عند النظر لعبد الفتاح البرهان أن نعده امتداداً لعبد الفتاح السيسي، إلا من حيث “العقيدة العسكرية”، التي وصفها الشيخ الترابي بأنها تعلو عند العسكريين على أي عقيدة. وهو يفسر حالة تلميذه عمر البشير، الذي انقلب عليه، فأثبت بذلك أن العرق دساس!

الجيش السوداني مسيس بطبيعته، وكما قام الضباط الإسلاميون بانقلابهم قبل ثلاثين سنة، فقد قاد الشيوعيون فيه انقلاباً أيضاً. وعند النظر للفريق عبد الفتاح البرهان، سنكتشف أنه بعثي الفكر، فالأفكار البعثية لم تحظر في السودان، في عهد البشير، وعندما يصل بعثي ليكون على رأس الجيش السوداني، فإن هذا يذكرنا بتجربة كل من السادات وعبد الناصر، حيث لم يغلقا الباب تماماً أمام المنتمين لقوى سياسية أخرى أو حرمانهم من التصعيد السياسي، وفق مقاييس محددة، فلم تسد ثقافة الوحدة العسكرية إلا في زمن السيسي!

 

 

انتحار البرهان:

وليس هذا موضوعنا، فالمهم أن الفريق البرهان ليس واحداً من عوام العسكريين، إنه ينتمي لفكر سياسي يرى في إسرائيل أنها عدو، ورغم الخلاف الذي دب بين البعثيين، إلا أنه لم يقترب من هذه العقيدة المستقرة، فما الذي يدفع بالبرهان إلى الانتحار السياسي بالذهاب بعيداً لمقابلة نتنياهو، وهو يدرك خطورة هذا التوجه؟ ولهذا ذهب للقاء خائفاً يترقب، ويسير على أطراف أصابعه حتى لا يشعر به أحد. والإثم هو ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس!

دعك من أي ردود قالها، فظني أن البرهان لو كان يدرك فعلا أن خبر اللقاء سيتسرب لما أقدم على هذه المغامرة. وكثيراً ما كان الناس يعرفون بمثل هذه اللقاءات بعد سنوات طويلة، وربما بعد وفاة أطرافها، ويكون التسريب ليس جازما ولكنه يقبل النفي والإنكار، لأن القادة الإسرائيليين سابقاً كانوا يعملون لصالح الدولة العبرية، على العكس من نتنياهو الذي يفضح الجميع، لأنه يعمل لصالح نفسه، ولا تهمه مصلحة إسرائيل، ولكن ما يشغله هي الانتخابات، لذا فإنه يستغل هذه اللقاءات كدعاية له ولحزبه، ولو كان في الفضح والتجريس ما يجعل من هذا التقارب بلا قيمة تذكر، أو ثمرة ترجى، إلا قيمتها الشكلية فقط!

 

 

لقد تراجعت العقيدة السياسية للفريق عبد الفتاح البرهان، لتتقدم العقيدة العسكرية، والعسكري بطبيعته مجبول على تنفيذ الأوامر، وهي في ما يختص بشؤون السياسة والحكم والعداء والبراء يحددها الحاكم الذي هو القائد الأعلى للقوات المسلحة بحكم منصبه!

يتخذ السادات قرار الحرب، فيحارب الجيش، ويهرول إلى إسرائيل فلا يعترض الجيش على ذلك. إنه يدور مع الحاكم أينما دار، بوصفه مؤسسة من مؤسسات الدولة!

وعندما يوسد الأمر إلى “أصحاب الخلفية العسكرية”، فإنهم يسارعون في التخلي عما كان يمثل عقيدة عسكرية، فلا إسرائيل عدو، ولا هناك عداء تاريخي معها يحول دون الانخراط في معسكرها.

 

 

العسكري البسيط:

لقد اختفى عبد الفتاح البرهان البعثي، وظهر العسكري البسيط، الذي يجري التغرير به، للقاء سينهي مستقبله السياسي قبل أن يبدأ، بعد أن وسوس له الشيطان، فظن أن هذا هو طريقه لحكم السودان. والشيطان قديما أغرى آدم بالخلد والملك، “فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه”!

لقد تلاعب به محمد بن زايد، فغابت الفكرة وسيطرة عليه السكرة، ولو حضرت العقيدة السياسية لوقف على أن التقارب مع إسرائيل لا يفيد أحداً، وأن فقراء الفكر هم من يروجون بأن الطريق للبيت الأبيض لا يكون إلا من خلالها، وأن واشنطن تدير الملكوت!

لم تحم العلاقة المتميزة للسادات بإسرائيل والبيت الأبيض من اغتياله، ولم يمنع تقارب مبارك من الكيان الصهيوني من إسقاطه، ولم يكن أي من الحكام الذين أسقطتهم الشعوب على علاقة عداء مع إسرائيل!

وعندما حضرت البدلة العسكرية واختفى صاحبها، سمعنا مقولة أنه فعل هذا لصالح الشعب السوداني. ولماذا لم يضع الشعب في الصورة، ليؤيد تحركه أو يرفضه قبل أن يُقدم عليه؟ إلا إذا كانت النظرة العسكرية الأبوية، حيث يرى العسكريون أنهم أدرى بمصلحة “العيال” من أنفسهم!

 

 

ولم تكن هناك دولة من دول الجوار للسودان التي تقوم بالتطبيع مع إسرائيل، ومن مصر، إلى إريتريا، إلى تشاد، إلى الجنوب السوداني، تعيش في رخاء وتخلصت شعوبها من الفقر والعوز بسبب هذه العلاقة! لقد ازدادت فقراً على فقر!

إن هذا لا يمكن أن يكون أبداً عبد الفتاح البعثي، ولكنه عبد الفتاح المصري، الذي ربما لا يعرف شيئاً عن البعث، واعترف على نفسه بأنه “مش بتاع سياسة”!

لقد تبدت العورات للناظرين، فبدا لنا عبد الفتاح البرهان كما لو كان “الخالق الناطق” عبد الفتاح السيسي، وكأنهما يقرآن من مقرر دراسي واحد، هو المقرر العسكري.

تخيروا لحكمكم فإن العرق دساس.

 

سليم عزوز

عربي21

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى