المصارف السودانية بين خياري الاندماج او زيادة رأس المال

لم يكن وجود السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب مجرد عقوبة سياسية لنظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير الذي أطاحته ثورة شعبية في أبريل (نيسان) 2019، فقد صاحبتها عقوبات اقتصادية فرضتها الولايات المتحدة الأميركية لأكثر من 23 عاماً، كان للمصارف السودانية نصيب الأسد في الأثر الذي أصاب القطاعات الاقتصادية في البلاد، إذ حرمت من التعاملات الخارجية مع نظيراتها في جميع دول العالم، ما أدى إلى تعثر انسياب التحويلات المالية والمصرفية إليها من الخارج طيلة هذه الفترة، وتسبب في ضعف أدائها نتيجة شح النقد الأجنبي وضعف رساميلها، وظلت عاجزة عن القيام بدورها الرئيس في التنمية وتمويل القطاعات المختلفة.

وطالب متخصصون سودانيون في حديثهم إلى “اندبندنت عربية”، بحزمة من المقترحات لاستعادة دور هذه المصارف في ظل ما يشهده العالم من انفتاح اقتصادي، تتمثل في دعم وتطوير آليات الرقابة المصرفية “الحوكمة”، وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي والعمل على تحسين بيئة العمل داخلياً بإيجاد إدارة ذات كفاءة عالية، فضلاً عن تعزيز السلامة المالية للمصارف بإحداث اندماج أو زيادة رؤوس أموالها.

تحديات وقصور

يعتبر مدير سوق الخرطوم للأوراق المالية علي خالد الفويل، أن “المصارف تتمتع بنشاط عالي المرونة يختلف عن المؤسسات الأخرى، كما أنها تحتاج إلى رأسمال صغير نسبياً يصل في حده الأدنى إلى 18 في المئة، فضلاً عن أن منتجاتها خدمية وليست سلعية تتطلب مواد خاماً ورأسمالاً تشغيلياً، كما أن التكلفة المتغيرة لديها ضئيلة، إضافة إلى أنه لا توجد طاقة قصوى تحدد الإنتاج، لكن على الرغم من ذلك نجد أن المصارف السودانية تواجه جملة من التحديات في جوانب عديدة من أهمها ضعف مجالس الإدارات وعدم التزامها بالتخطيط والمتابعة والضبط المؤسسي وكفاية رأس المال، وقصور الإدارة التنفيذية العليا وعدم استغلالها الأمثل للموارد، ووجود إشكاليات في رأس المال من ناحية عدم توفر احتياطات كافية، وعدم تكامل مساهمات الرأسمالية مع أنشطة البنك، وارتفاع القيمة السوقية، إلى جانب ضعف العنصر البشري المؤهل، وعدم إيجاد هيكل تنظيمي فاعل، فضلاً عن نقص الودائع، وضعف الجانب الاستثماري، وشح النقد الأجنبي، وكذلك قلة الفروع، وعدم مواكبة التقنية المصرفية، وانعدام ثقافة المؤسسية، والشراكات الذكية”.

ويلفت الفويل إلى عوائق خارجية تعترض مسار المصارف السودانية، تتمثل في التصنيف المستمر لها في التعاملات الخارجية بسبب العقوبات الأميركية وعدم الاستقرار في مؤشر الأداء الكلي للاقتصاد السوداني، وكذلك عدم استقرار سعر الصرف ما أدى إلى وجود سوق مواز فعلي، إلى جانب استئثار بنك السودان بحصائل الصادرات لفترة طويلة، واحتفاظ بعض رجال الأعمال السودانيين بجزء من أرصدتهم في البنوك الخارجية وعدم إيداعها في المصارف المحلية.

ومن العوائق أيضاً منع الوحدات والشركات الحكومية من فتح حسابات لدى المصارف التجارية، وارتفاع تكلفة وضعف إنتاجية سلع الصادرات، واتساع عمليات التهريب، والتلاعب بالأسعار الخارجية. وكذلك عدم الشفافية والصدقية في بعض المستندات الرسمية كالميزانيات وعقود الإيجار وغيرها، والتغيرات في السياسات الحكومية وسياسة بنك السودان، إلى جانب النسبة العالية للهدر في البلاد من ناحية الوقت والمال والثروة والفرص الثمينة.

الحوكمة والتقنية

لكن على الرغم من هذه المعوّقات، يرى الفويل أن الفرص التي يمكن أن تنهض بقطاع المصارف عديدة، من أبرزها إيجابيات التغيير السياسي الذي تشهده البلاد حالياً بعد الإطاحة بالنظام السابق الذي اشتهر بالفساد المقنن، وارتفاع الطلب الكلي على التمويل مقابل العرض، ووجود 90 في المئة من الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي ما يتيح فرصة استقطابها، وإمكانية جذب مدخرات المغتربين، والاستفادة من عودة بعض العقول المصرفية المهاجرة، إضافة إلى تفعيل سوق التمويل الأصغر، والتجارة الحدودية مع دول الجوار، وازدهار قطاع التعدين خصوصاً الذهب والحديد. كذلك وجود سوق مالية تتيح تداول أسهم البنوك بيعاً وشراء، وإيجاد شراكة للبنوك الأجنبية في رؤوس أموال البنوك المحلية، وانتعاش سوق الصادرات وتحسين العلاقات مع دول العالم، فضلاً عن إرهاصات تدفق الاستثمارات الخاصة بمشروعات الأمن الغذائي العربي لتغطية النقص بعد أزمة كورونا.

وحدّد مدير عام سوق الخرطوم للأوراق المالية، آليات إصلاح القطاع المصرفي واستعادة دوره الأساسي، في ضرورة قيام وزارة المالية وبنك السودان المركزي بتهيئة بيئة التعامل المصرفي، والاستقلالية الكاملة لبنك السودان المركزي، ودعم وتطوير آليات الرقابة المصرفية “الحوكمة”، ووضع إستراتيجيات للمصارف ومراقبة المتغيرات الداخلية والخارجية مع ضرورة إشراك أصحاب المصلحة في ما يجري من متغيرات، والاهتمام بالتقنية وإعطائها أولوية في الموازنة الإنشائية والإدارية. كما طالب بوضع سياسات لجذب مدخرات المغتربين وتحرير سعر الصرف، ومراجعة قانون الشركات والمسجل التجاري ورفع كفاءة وزيادة محاكم ونيابات المصارف، فضلاً عن ابتكار وسائل ومنتجات وخدمات مصرفية مغرية وجاذبة لاستقطاب موارد سوق النقد الأجنبي، إضافة إلى دعم بنك السودان المركزي البنوك في مجال العلاقات الخارجية، والاعتماد على منهجية الدفع الرباعي المتمثلة في البيانات والمعلومات والمعرفة والكلمة في وضع الإستراتيجيات التي تخص القطاع المصرفي.

إعادة هيكلة

وفي سياق متصل يقول الباحث الاقتصادي السوداني هيثم محمد فتحي، إن “الوضع الاقتصادي الحالي لدولة كالسودان يتطلب كيانات مصرفية كبيرة قوية لمواجهة التحديات العالمية الجديدة في ظل الانفتاح العالمي الكبير “العولمة” في الساحة المالية المصرفية، وهذا يتطلب تعزيز السلامة المالية للمصارف السودانية وفقاً لتلك التطورات العالمية، وذلك بالدمج أو الزيادة في رأس المال حتى تواكب هذه المصارف التطورات المحلية والعالمية بإعادة هيكلة الجهاز المصرفي والعمل على تحسين بيئة العمل داخلياً في إيجاد إدارة ذات كفاءة عالية، وإدخال تقنيات حديثة، وتأهيل وتدريب الكادر البشري، فضلاً عن طرح معالجات سريعة للتعثر المصرفي بتغيير بعض السياسات الاقتصادية والتمويلية”. لافتاً إلى أن اتخاذ مثل هذه الإجراءات يمكن أن يساهم في صمود بعض المصارف السودانية أمام المنافسة العالمية الجديدة، فيما سيكون الخيار الأفضل للبعض الآخر من المصارف هو اتخاذ عملية الدمج من أجل البقاء في السوق المصرفي الجديدة.

وعدّ فتحي أهم التحديات التي تواجه المصارف السودانية في “ضعف رساميلها مقارنة بنظيراتها الإقليمية والعالمية، إضافة إلى شح السيولة، فضلاً عن تحديات خارجية تتمثل في تعثر انسياب التحويلات المالية والمصرفية الخارجية إلى هذه المصارف، وذلك لوجود اسم السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب، حيث درجت أميركا على فرض غرامات مالية ضخمة على البنوك العالمية التي تتعامل مع السودان، وبالتالي لا تستطيع البنوك والمصارف العالمية مخالفة هذه الإجراءات باعتبار أميركا سوقاً اقتصادية كبيرة يصعب الاستغناء عنه، لذلك يجب على الحكومة السودانية تكثيف مساعيها لرفع اسم البلاد من هذه القائمة حتى تتمكن من الاستفادة من دعم مؤسسات التمويل العالمي وصولاً بالاقتصاد السوداني إلى مرحلة التعافي”.

وأضاف “مشاكل البنوك السودانية كثيرة، ما أفقدها دورها في التنمية والتمويل في القطاعات الأخرى، كما أن إمكانيات هذه المصارف لا تتناسب مع احتياجات التنمية المطّردة، فانخفاض قيمة الجنيه السوداني المستمرة أثر في التمويل لارتفاع قيمة الدولار أمام العملة المحلية، بالتالي لابد من التوسع في نشاط المصارف، إضافة إلى إنشاء مصارف برأسمال كبير، وأن تكون متخصصة في تمويل التنمية”، مشيراً إلى أن أغلب نشاط البنوك في السودان اقتصر على تمويل الحكومة مقابل العائدات التي تتحصل عليها من شهادات شهامة والصكوك.

وشدّد فتحي على أن اتجاه الحكومة إلى مزيد من توسيع صور الاستدانة سيؤدي إلى توقف نشاط البنوك في التمويل تماماً، كما ستتأثر القطاعات الصناعية والزراعية والتنمية الاقتصادية، وستتحوّل البنوك إلى عميل يستثمر أمواله داخل الحكومة.

المصدر : إندبندنت

تعليقات فيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق