ضعف البنية التحتية يخذل مجهود ردع فيضانات السودان

تفتقد الخرطوم وضواحيها وقراها ومدن أخرى في ولايات السودان المختلفة التي اجتاحتها السيول والفيضانات للبنى التحتية، التي كشفت عن عجزها عن استيعاب الفيضانات والسيول. فعلى الرغم من التحذيرات المبكرة التي أطلقتها لجنة الفيضانات ومصلحة الإرصاد الجوية، فإن الاحتياطات لم تكن كافية. ما جعل الخسائر كبيرة ومرشحة للزيادة نتيجة استمرار تراكم المياه وتهديدها بانهيار مزيد من البيوت والمنشآت في المناطق المغمورة بالمياه.

فاقم ضعف البنية التحتية الخاصة بالحماية والتصريف، المأساة، خصوصاً في المناطق التي تجاور ضفاف الأنهار والنيل الأزرق نتيجة غياب المنهج الهندسي العلمي في الخطط السكنية والزراعية والصناعية. وقد أخفقت الوسائل التقليدية لحجز تدفقات المياه لا سيما التروس الترابية وأكياس الرمال.

يُرجع نائب المدير العام لهئية المساحة السودانية، المهندس دكتور صديق مكي، في حديثه إلى “اندبندنت عربية”، ضعف البنية التحتية وعجزها عن توفير الحماية من الفيضانات إلى غياب التخطيط. وينتقد الجهات المتخصصة في التخطيط العمراني في الفترة السابقة التي ظلت تنتهج أساليب وطرقاً غير علمية في عملها. إذ سمحت بالخطط الإسكانية بعيداً من الأسس العلمية الهندسية، وغُيِّبت هيئة المساحة، الجهة المرجعية في الشأن الهندسي المساحي. وكثيراً ما خُصِّصت الأراضي للسكن لاعتبارات سياسية إرضاء لفئات أو مناطق بعينها، ما أضعف القدرة الهندسية للبنية التحتية وفعاليتها وأدت إلى اختلالات كبيرة في تصريف المياه والحماية من الفيضانات والسيول والأمطار.

يضيف مكي “معلوم أن لكل نمط من تخطيط المباني والشوارع نظاماً محدداً في التصريف يأخذ في الاعتبار الطبيعة الجغرافية للمنطقة السكنية بحيث يكون من أسفل إلى أعلى، أي يبدأ بتخطيط شبكة المجاري وليس العكس، لكن غياب ذلك أفضى إلى النتائج الكارثية في السودان. وكان ممكناً تفاديها أو التخفيف من آثارها لو اتبعنا أساليب وطرقاً علمية مدروسة من جهات الاختصاص”.

مزيد من السدود الصغيرة

يعتبر المهندس رضوان عبد الرحمن رئيس وحدة التنبؤات والإنذار المبكر في وزارة الري والموارد المائية، أن “البلاد في حاجة إلى مزيد من الخزانات والسدود الصغيرة والترع التي تعزز الحماية من الفيضانات وتوفر المياه للتوسع في النشاط الزراعي”.

ويكشف الدكتور أحمد طه، اختصاصي المراصد الحضرية وتخطيط المدن، في حديث أيضاً إلى “اندبندنت عربية”، أن “الصرف الصحي، الذي يعتبر من أهم عناصر البنية التحتية، لا يمثل في العاصمة الخرطوم سوى 7 في المئة من المطلوب”.

ويدعو طه إلى “وضع سياسة تتصل فيها كل محاور منظومة التنمية الحضرية، كالاقتصاد والمالية والصحة والتعليم، إذ لا يمكن عزل أي منها والعمل عليه بمفرده”.

تعزيز قدرات الحماية والتصريف

يشدّد كبير المهندسين في الهئية الفنية المشتركة الدائمة لمياه النيل، الدكتور محمد مصطفى عباس، على “ضرورة إجراء دراسات علمية هندسية عاجلة تبنى على معلومات جغرافية لمعرفة المنخفضات ومناطق الهشاشة، بما يمكن من وضع الضمانات والتأمين الهندسي اللازم للوقاية من خطر الفيضانات في المستقبل مع ضرورة تعزيز البنى التحتية للتصريف والحماية، بإنشاء مشروعات تمتص مياه الفيضانات الزائدة عن مجرى النهر وتوظيفها اقتصادياً”.

ويلفت عباس إلى “الأبنية الجديدة على ضفاف النيل الأزرق والتعديات الجائرة على حرم النيل وضفافه، ما أدى إلى التضييق والضغط على المجارى الأساسية للأنهار، فضلاً عن الزيادة الكبيرة التي حدثت في معدلات هطول الأمطار هذا الخريف، ما تسبب برفع منسوب المياه إلى مستويات كبيرة”.

غياب الجدار الواقي

في السياق نفسه، يكشف مصدر في وزارة البنية التحتية في ولاية الخرطوم، أن الولاية ما زالت تعتمد على شبكات تصريف موروثة منذ عشرات السنين بنيت منذ عهد الاستعمار البريطاني وما زالت على حجمها وطريقة عملها من دون أن تشهد أي تطوير أو توسعة لتواكب حجم التمدد العمراني والسكاني المهول، الذي حدث في ولاية الخرطوم خلال السنوات القليلة الماضية، ما جعل تلك المصارف والقنوات تنوء بكميات المياه وتعجز عن تصريفها”.

لماذا لم تحجز السدود فيضانات النيل؟

ويوضح المصدر أن من أبرز ملامح ضعف البنى التحتية، غياب ما يعرف بالجدار الواقي الذي يحمي الشواطئ من التجريف بسبب ما يسمى الهدام الذي يتسبب بهدم الضفاف وتآكلها مع غياب التشريعات التي تحمي السهول الفيضيه باعتبارها أراضي ملكاً للنيل، فليس من حق أي جهة التدخل وإنشاء أي نوع من المشاريع أو المنشآت فيها، ولا تردم جهة عاقلة النيل كي تشيد أبراجاً وعمائر خصوصاً في مجرى نهري له خصوصية مثل النيل”.

يضيف “مع ضعف البنى التحتية، أدت التعديات الكبيرة والعشوائية على السهول الفيضية إلى اختناق مجرى النيل وفاقمت الأضرار والخسائر هذا العام وهي سهول قائمة منذ العهد التركي كنموذج للريّ بالحياض في شكل مشاريع زراعية موازية لمجرى نهر النيل، وتشكل متنفسات طبيعية تمتص قدراً معتبراً من مياه الفيضانات، لكن كل تلك البوابات أُغلقت بصورة أشبه بإلغاء مشاريع الري بالحياض”.

ويدعو إلى ضرورة سنّ تشريعات صارمة تمنع التعدي وإقامة المساكن والقرى على ضفاف النيل وفروعه المختلفة ومجاري السيول، كي لا تتكرر الكارثة نتيجة إصرار سكان المناطق المنكوبة على تجديد مساكنهم في المناطق نفسها التي تعرضت للغرق والدمار.

وأفصح المصدر عن إجراء اليونيسكو دراسة منذ العام 2000 تضمنت 7 مجلدات تحت اسم “حماية الشواطئ النيلية للخرطوم”، قدمت توصيات وتوقعات للفيضانات قبل حوالى 20 عاماً بما في ذلك مستقبل جزيرة توتي، وكان يمكن أن يُستفاد منها لإعداد حلول علمية ومدروسة، لكن الحكومة السابقة لم تفعل ولا تزال الدراسة حبيسة الأدراج وفي الإمكان نفض الغبار عنها.

انخفاض المنسوب

وسجل منسوب النيل الأزرق انخفاضاً ملموساً في كل المحطات بحسب رئيس وحدة التنبؤات والإنذار المبكر في وزارة الري والموارد المائية، وانخفض في الخرطوم من 17.49 متر ليوم الجمعة إلى 17.42 متر صباح السبت بواقع 7 سم، ما يشير إلى أن الأوضاع في طريقها إلى التحسن المستمر وصولاً إلى مرحلة عودة المياه إلى مجاريها الطبيعية وانحسارها عن العديد من المناطق التي كانت تغمرها.

يعاني السودان منذ أسابيع آثار كارثة طبيعية بسبب فيضان نهر النيل ضحيتها عشرات الأشخاص وانهيار المئات من المنازل كلياً وجزئياً وتضرر قرابة نصف مليون شخص بحسب البيانات والإحصاءات الرسمية.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى