النظام المصرفي المزدوج: قضية سياسية أم فنية؟

النظام المصرفي في السودان يعمل وفق موجهات الشريعة الإسلامية التي تمنع الربا وسعر الفائدة في المعاملات المصرفية وأنظمة البنوك. وهو عكس النظام التقليدي للبنوك الذي أساسه سعر الفائدة. وعندما يقال النظام المصرفي المزدوج فإن هذا مقصود به أن تعمل البنوك بكلا النظامين. وقد طُبق هذا في الإقليم الجنوبي الذي كان جزءاً من السودان خلال الفترة من 2005 الى 2011 حيث كانت البنوك في الجنوب تعمل بنافذتين: واحدة للمعاملات وفق الشريعة الإسلامية، والثانية تقليدية بنظام الفائدة.

اشتملت توصيات المؤتمر الاقتصادي القومي الذي انعقد خلال الفترة من 26 الى 28 سبتمبر الماضي على توصيتين متعلقتين بالنظام المصرفي المزدوج، وكلتاهما وردتا في توصيات اللجان القطاعية في الجزء سابعاً المتعلق بمجال التضخم وسعر الصرف والميزان التجاري، وهما التوصية 4 والتي تقرأ: اعتماد سعر الفائدة كأداة في تنفيذ السياسة النقدية وتكلفة الاستدانة. والتوصية 13 والتي تقرأ: العمل بالنظام المصرفي المزدوج (نظام النافذتين).

من الواضح أن هناك تضارباً بين التوصيتين لأنه إذا تم اعتماد سعر الفائدة كأداة في تنفيذ السياسة النقدية وتكلفة الاستدانة، فمعنى ذلك إلغاء النظام الإسلامي كلياً في عمل البنوك، وتصبح لا ضرورة للتوصية الثانية وهي العمل بالنظام المصرفي المزدوج.

سواء كان الأمر متعلقاً بإلغاء النظام الإسلامي في البنوك بصورة كلية أو جزئية، فإن السؤال الذي ينشأ هنا: هل القضية متعلقة بمسألة فنية؟ أي أن هناك عيوباً وقصوراً في النظام الإسلامي تستدعي تغييره. أم أن الأمر سياسي بحت ولا علاقة له بالمسائل الفنية؟
الاقتصاديون اليساريون الذين نشطوا في أروقة المؤتمر الاقتصادي في جلسته الختامية، والجلسات القطاعية التي سبقته، حاولوا إقناع الناس أن النظام الإسلامي في البنوك لا يخدم التنمية الاقتصادية، وهو عاجز عن تمويل الزراعة والصناعة، وأنه سبب في فساد كثير، واستندوا على هذه الأقوال للمناداة بإلغاء النظام المصرفي الإسلامي، واستبداله بالنظام القائم على أساس سعر الفائدة.

العديد من تقارير المنظمات الدولية والاقليمية تدحض عدم قدرة نظام التمويل الخالي من الفائدة علي تمويل التنمية و البنيات التحتية ،ومن ذلك تقرير البنك الدولي الموسوم:
How Islamic finance can boost infrastructure development
الذي أشار في واحدة من فقراته الى (إن مواثيق التمويل الإسلامي مناسبة بشكل خاص لتطوير البنية التحتية. وهي تحدد نظاماً موجهاً للأصول للوساطة المالية الأخلاقية المبني على مبادئ تقاسم المخاطر في الأنشطة المشروعة (الحلال) بدلاً من المكاسب التي تسعى إلى تحقيق الريع. يتطلب هذا النهج “الريادي” من قبل المستثمرين درجة عالية من الشفافية، ويخلق حوافز لرصد المشاريع بعناية أكبر، والتي بدورها تعزز الكفاءة في بناء وتشغيل البنية التحتية.( وفي هذا الصدد يشار إلى أن العديد من البنوك في بريطانيا وأوروبا واليابان لها نوافذ إسلامية.
لا تقدح في فعالية وتماسك النظام المالي الإسلامي في السودان بعض الممارسات، من موظفي بعض البنوك، التي تحتاج بالتأكيد لمعالجات.
إن ما برز من توصية بإعادة العمل بنظام الفائدة في المؤتمر الاقتصادي، لم يكن لأسباب فنية، ولكن يُعتقد أنه في إطار المخطط المرسوم لإزالة كل مظاهر للإسلام في المجتمع السوداني، تحت مفهوم العلمانية. ويحتاج علماء الاقتصاد الإسلامي لوقفة موحدة إزاء هذا التوجه. والله الموفق.

 

السوداني

Exit mobile version