“الترضيات السياسية” آفة السودان المزمنة

لم تحدّ عدالة قضايا التهميش والإقصاء التي مارستها الحكومات السودانية، خصوصاً النظام السابق، من أن تصبح مصدر تكسب سياسي لقادة المعارضة المسلحة منها وغيرها. وأحد الأسباب التي عجَّلت بسقوط حكم الرئيس السابق عمر البشير، هو أنه انتهج الترضيات كأحد ملامح الفساد السياسي، على مرحلتين، الأولى تمكين الموالين والأقارب وأعضاء التنظيم الإسلامي في أجهزة الدولة، والثانية تقريب المعارضين بالمناصب الرفيعة.

والآن، مع اختلاف التوجهات بين النظام السابق والحالي، فإن منهج الترضيات السياسية وآليات تنفيذه واحدة، إذ إن حكومة حمدوك قربت أول ما قربت المنتمين إلى قوى الحرية والتغيير، ثم انطلقت في موجة استرضاء لبقية الأحزاب. وعندما فتحت الباب للحركات المسلحة وقوى الهامش في غرب وجنوب السودان، اندلعت التوترات في الشرق، وانتفض أهل الولاية الشمالية وولاية الجزيرة وسط السودان.

مركزية مُطلقة

تسبب اقتصار السلطة على المركز في تراكم الجهل بحاجات الأقاليم التنموية، وعدم إدراك التعقيدات الناتجة عن ربط المعاملات الرسمية بالعاصمة، والتنقل من مناطق بعيدة لإنجازها في بلد واسع مثل السودان. وكانت غالبية الحكومات التي تعاقبت على البلاد تخشى الاستقلال الذاتي لهذه الأقاليم، خصوصاً أن السمات الديمغرافية لكل إقليم تشبه الدولة التي يجاورها، وتكاد تتبع لها إثنياً وديمغرافياً. فغرب السودان يتداخل مع تشاد وأفريقيا الوسطى. وجنوب السودان مع دول أفريقيا جنوب الصحراء، وشرق السودان يتشابك أيضاً بشكل كبير مع إريتريا وإثيوبيا، أما نوبة الشمال فيتداخلون مع نوبة مصر في جنوب البلاد. وأدى تهميش المركز لهذه الأقاليم إلى انكفائها على نفسها، وأسهمت خصوصيتها الإثنية في ذلك.

وفي حين نجد أن بعض الآراء تُرجع هذا الخلل الإداري والتنموي إلى فترة الاستعمار، فإن الوقائع التاريخية تثبت أن إقليم السودان الممتد عبر رقعة جغرافية إلى غرب أفريقيا، كان عبارة عن ممالك متفرقة. ومن ذلك أن سلطنة دارفور لم تكن تابعة للسودان، بل كانت مستقلة حتى أيَّد آخر سلاطينها علي دينار الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى فأطاح به الإنجليز، وضُمَّت دارفور إلى السودان الإنجليزي المصري عام 1917.

ويمكن القول، إن بناء الدولة السودانية على شكل الوحدة السياسية، لم يكن معروفاً إلا بعد مجيء الاستعمار الإنجليزي الذي وضع حدودها، وفاضل بين أقاليمها وفقاً لأهدافه، فأصدر قانون المناطق المقفولة على جنوب السودان، ما أخل بالتوازن التنموي بين الشمال والجنوب. بينما لم تفلح الحكومات الوطنية بعد ذلك في إحداث توازن تنموي تضافرت معه أهداف النظام السابق، التي حكمت من منطلقات أيديولوجية واستعلاء عرقي. ومن خلال ذلك مارست السلطة قمعاً معنوياً بواسطة الأيديولوجيا، وتمييزاً مادياً بواسطة الإهمال والتهميش.

باسم الهامش

وظل قادة المعارضة والحركات المسلحة يمارسون نوعاً من الابتزاز السياسي، باسم الهامش والمهمشين الذين لا يدركون ما يدور في المركز، إذ يقتصر اهتمامهم على ما يمس معيشتهم. ولم تحدّ عدالة قضايا التهميش والإقصاء التي مارستها الحكومات السابقة، خصوصاً النظام السابق، من أن تصبح سبباً للوصول إلى السلطة والنفوذ واقتسام الثروة مع النظام الحاكم. فقد وفر حكم البشير لهؤلاء القادة بيئة مناسبة للتكسب الدولي والانتقال بين العواصم حتى سماهم مواطنوهم بـ”معارضي الفنادق”.

من لندن وباريس إلى أسمرا والقاهرة وبقية العواصم، بقي هؤلاء متجولين يتخذون قضية شعوبهم مطية للاسترزاق. فروا إلى الخارج في عشرية الإنقاذ الأولى التي مُورس فيها التعذيب في بيوت الأشباح، وبقوا في الخارج ردحاً من الزمن. وعندما بدأت الإنقاذ في استقطابهم، نال كل منهم نصيبه من السلطة والثروة في عهدها.

وجرى ذلك بعد أعوام من الملاحقات الأمنية والسياسية، أعقبتها جولات مفاوضات وتوقيع اتفاقات عديدة، مثل اتفاقية ميشاكوس في كينيا عام 2002، بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وأهم ما جاء فيها تقسيم الثروة والثروات الطبيعية، وتخصيص حصة من الوظائف للأغلبية في تلك المناطق، وتأسيس حكومة وحدة وطنية خلال الفترة الانتقالية. ثم وقِّعت أيضاً اتفاقية نيفاشا في كينيا عام 2005، بين الحكومة والحركة الشعبية لتحرير السودان، وهي البذرة التي أسست لانفصال الجنوب في 2011. وغيرها من الاتفاقات مع حركات دارفور كل على حدة.

مسكنات آنية

العامل الأهم الذي ساعد على الصرف الباذخ على تلك الحركات هو تدفق النفط في السودان وبداية تصديره في 1999، واستغلال عائداته في استحداث عدد كبير من الوظائف الحكومية، لتسكين الموالين والمعارضين المُستقطبين، ما أدى إلى ترهل إداري كبير في أجهزة الدولة. ولأن التسويات السياسية قامت على مورد وعائدات النفط، فإنه بمجرد دخول السودان في مديونية عالية للصين بصفقات النفط مقابل المشاريع، وتوقف الشركات الصينية عن العمل ومطالبتها الحكومة السودانية بالسداد، اتضح أن نصيب هذه الحركات هو مجرد مسكنات آنية.

وعلى الرغم من كل ما حصل عليه قادة المعارضة والحركات المسلحة، فإن عدداً ممن استمالتهم حكومة الإنقاذ عاد أدراجه إلى مضارب التمرد مرة أخرى، لإحساسهم أن المواقع والدعم المادي والعسكري الذي يحصلون عليه من جهات أجنبية، ومن رؤساء مثل معمر القذافي أوفر بما لا يُقاس مما توفره لهم الإنقاذ.

ذاك هو طريق الإنقاذ الذي كان يُتوقع مفارقته بعد قيام الثورة وسقوط النظام، لكن بدأت مفاوضات أخرى باسم السلام لاقتسام السلطة والثروة بين الحكومة الانتقالية والحركات المسلحة في أغسطس (آب) 2019 في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان. كانت أولها بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية بقيادة مالك عقار من جهة، وبينها والحركة الشعبية (شمال) بقيادة عبد العزيز الحلو من جهة أخرى، ثم مع حركات دارفور.

وعندما أفضت التحركات إلى توقيع اتفاق السلام في جوبا في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بين الحكومة الانتقالية والجبهة الثورية، التي تضم عدداً من المسارات من ضمنها مسار الشرق، احتج مواطنو الإقليم رفضاً لعدم تضمين إثنية البجا (البشاريين والأمرار والعبابدة) في المسار.

دمج القوات

إضافة إلى ما تضمنته الوثيقة الدستورية الحاكمة للفترة الانتقالية من اتفاق تقاسم السلطة والثروة، جاء فيها أيضاً إعادة هيكلة القوات النظامية، بدمج الحركات المسلحة في المؤسسة العسكرية والأجهزة الأمنية الأخرى، وتعيين عدد من ضباط الحركات من الرتب الرفيعة في القيادة العامة.

لكن شكك بعض العسكريين في نجاح دمج الحركات في القوات المسلحة، بسبب أنها كانت تحاربها، كما أن ولاءها سيكون مناطقياً وليس قومياً. ودللوا على ذلك بتجربة دمج بعض القوات المتمردة بالجيش السوداني عقب اتفاقية نيفاشا عام 2005، فيما سُمي بالقوات المشتركة، وعندما اندلعت أحداث منطقة أبيي سرعان ما انضمت كل قوة إلى قائدها.

وعلى الرغم من أن الوثيقة الدستورية تضمنت ستة بروتوكولات هي تقاسم السلطة والثروة، والعدالة، وعودة اللاجئين والنازحين، وبروتوكول إعلان المبادئ، والترتيبات الأمنية، فإن هناك بنوداً لا تشملها الوثيقة الدستورية، قد تجري إضافتها أو تعديل بعضها، من أجل مزيد من الترضيات. وعندما عزمت الأطراف الموقعة على الاتفاقية على إدماجها في الوثيقة الدستورية قبل تشكيل المجلس التشريعي والمحكمة الدستورية، قوبلت هذه الخطوة برفض واسع لعدم جواز الدمج من الناحية القانونية. بينما اعتُبرت هذه الخطوة تحايلاً على الدستور الدائم للبلاد من أجل تمرير بعض بنود الاتفاق التي تتعارض مع الوثيقة الدستورية، وكل ذلك يقع في باب الترضيات السياسية.

قنبلة موقوتة

بعد أن حصل قادة حركات جنوب وغرب السودان على مناصب رفيعة في مجلس الوزراء ووعود بمناصب في المجلس التشريعي (بعد تكوينه)، وبعد أن سار الشرق على الخُطى نفسها، يتوقع أن ينتفض شمال ووسط السودان. فبينما المركز التنفيذي محصور في العاصمة الخرطوم بمدنها الثلاث الخرطوم، وأمدرمان، والخرطوم بحري، نجد أن الوسط الجغرافي وهو المركز الفعلي للبلاد، يتمدد حتى مدينة ود مدني حاضرة ولاية الجزيرة، التي كانت من قبل عاصمةً للسودان، وما زالت تترسخ في الذاكرة الشعبية الرغبة في أن تعود كذلك.

ومن هذا المنطلق، عمل نظام البشير على تدمير مشروع الجزيرة، عماد الاقتصاد القومي السوداني. فقد كان أهل الإقليم الأوسط مكتفين من كل الخدمات الحكومية بالعون الذاتي الأهلي ومشاريعهم المحلية المرتبطة بالمشروع الكبير. وبعد ذلك عمل النظام السابق على تهميش أهل الجزيرة على الرغم من موقعها الأقرب إلى الخرطوم.

وبما أن الحكومة الحالية سوف تتحول إلى نظام ديمقراطي بعد انقضاء الفترة الانتقالية، فإن ما ينتظرها هو إعادة هيكلة النظام السياسي والإداري بناءً على الفيدرالية المُرتقبة، لتتناسب مع طموحات الأقاليم، التي ظلت تتململ في ولائها لمؤسسات الدولة المركزية. لكن قادة الحركات استبقوا انتهاء الفترة الانتقالية، وتسابقوا نحو حجز مقاعد في السلطة المركزية، لأنه إذا تحققت طموحات أهل الهامش وتحول النظام إلى فيدرالي، فإن المعارضة باسم أهل الهامش لن يكون لوجودها داع.

ومن واقع الحراك السياسي الحالي، يبدو أن استمرار الترضيات السياسية سيؤدي إلى تهيئة قنبلة موقوتة قد تنفجر في المستقبل القريب، عند انقضاء الفترة الانتقالية التي أسرفت حكومتها بمنح السلطة والنفوذ من دون تفويض شعبي وقبل إجراء الانتخابات.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى