السودان يبدأ خطوات فعلية لاستغلال رمال الصحراء البيضاء اقتصاديا

في ظل بحث الحكومة السودانية الدؤوب عن موارد تدعم اقتصاد البلاد، الذي يتعرض لهزات كبيرة عنيفة، وبغرض تعزيز موارده الشحيحة من النقد الأجنبي، خطت البلاد خطوات جادة في استغلال رمال الصحراء البيضاء، المتوفرة بكميات كبيرة في عدد من الولايات السودانية، وأظهرت دراسات أجرتها وزارة الطاقة والتعدين (هيئة الأبحاث الجيولوجية)، استمرت أكثر من 18 عاماً، نتائج مشجعة، عن توفر الرمال البيضاء (سيليكا) بكيمات كبيرة ونوعية ممتازة في منطقة بارا شمال كردفان ومناطق أخرى في ولاية نهر النيل.

توقيع الاتفاق وضربة البداية

ووقعت الوزارة، اتفاقاً مع حكومة الولاية التي وافقت بموجبه على السماح بدخول الشركات للاستثمار في هذا المجال توطئة للشروع الفعلي في تنفيذ مشروع استغلال الرمال البيضاء وبدء الخطوات العملية لتنفيذه، وكشف المدير العام للهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية، سليمان عبد الرحمن، عن اتجاه الوزارة للاستفادة من الرمال البيضاء بتصنيعها وتسويقها، معلناً أن البداية ستكون باستغلال 700 طن كمرحلة أولى، و200 ألف طن في مراحل أخرى متقدمة، في مناطق عدة بمحلية بارا في ولاية شمال كردفان التي تقدر مساحة الرمال البيضاء فيها بنحو 583 كيلو متراً مربعاً في مناطق البشيري والباجا.

أضاف عبد الرحمن، في تصريحات صحافية، على إثر مباحثات قادها بين الوزارة ووالي ولاية شمال كردفان خالد مصطفى، أن هيئة الأبحاث الجيولوجية ظلت عاكفة على الدراسات العلمية في المنطقة استمرت منذ عام 2012 وحتى 2020، لتحديد كميات ومساحات ونوعية الرمال البيضاء الموجودة في منطقة بارا في الولاية، مشيراً إلى أن الدراسات أظهرت نتائج مبشرة ومشجعة، وكشفت عن درجة نقاء الرمال البيضاء في مناطق شمال كردفان بنسبة تصل إلى 98 في المئة، وهي بذلك عبارة عن (سيليكا) صافية تستغل في صناعات عدة أبرزها الزجاج بمختلف أنواعه، إلى جانب صناعات المسابك والمنظفات، وصناعات أخرى متطورة مثل الألياف الضوئية.

وزارة الطاقة والتعدين تتسلم الإحداثيات

وقال وزير المالية المكلف ولاية شمال كردفان جمال عبد الفضيل لـ”اندبندنت عربية”، إن الولاية وافقت على تنفيذ المشروع باعتباره يدعم الاقتصاد القومي ويحقق لها نصيباً من الإيرادات المتوقعة من هذا المشروع، مبيناً أن الولاية ترى ضرورة تحقيق قيمة مضافة بإقامة مصانع في المنطقة المستهدفة، مثل مصانع غسيل وتجهيز الرمال البيضاء الخام وكل مراحل التحضيرات الأساسية المرتبطة بالتصنيع الأولي والتجهيز.

وكشف عبد الفضيل عن أن الاتفاق تضمن تسليم المواقع والإحداثيات لوزارة الطاقة والتعدين (مصلحة الأبحاث والجيولوجيا)، وعدم الإضرار بالمزارعين والمواطنين في تلك المناطق بإيجاد المعالجات اللازمة للأراضي الزراعية المأهولة بالسكان، مع تثبيت التزام الوزارة مبدأ المسؤولية الاجتماعية تجاه سكان المنطقة، وتحديد حقوق الجميع من الدخل المنتظر.

وفي سياق متصل، أوضح وزير البنية التحتية في ولاية شمال كردفان التيجاني اسماعيل محمد صالح لـ”اندبندنت عربية” أنه بموجب الاتفاق بين وزارة الطاقة والولاية، تم التعاقد على بداية العمل في منطقة بوجا بعد أن زودناهم بالفعل بالخرائط الموقعية وإحداثياتها، مشيراً إلى أنه عُمل مسح شامل لمساحة 8,81 كيلو متر مربع في المنطقة، بحضور كل جهات الاختصاص الرسمية إلى جانب قيادات أهلية من المنطقة، التي تعد الآن جاهزة كنقطة بداية لانطلاق تنفيذ المشروع.

18 موقعاً جاهزة للعمل

أضاف صالح أن المرحلة الأولى من المشروع تستهدف 18 موقعاً في جنوب وشمال غربي منطقة بارا، وسيبدأ العمل في منطقة بوجا بعد أن حُددت وعمل الرفع المساحي لها، وكشفت صور الأقمار الصناعية توافر الرمال المعنية على سطح الأرض ورُسمت الخرائط اللازمة للمواقع المطلوبة.

ووصف وزير البنية التحتية المكلف، نوعية الرمال في تلك المناطق بتميزها بدرجة نقاء عالية جداً، ما يؤهلها للدخول في صناعات الزجاج والألياف الضوئية.

وقال الجيولوجي، مستشار، محمد قسم الله، مسؤول المشروع في وزارة الطاقة والتعدين (الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية)، إن الوزارة تسعى لعمل شراكة ذكية عبر آلية مشتركة بينها وولاية شمال كردفان، من أجل الاستغلال الأمثل للرمال البيضاء، وإن الاتفاق المبرم مع الولاية يمثل إيذاناً بالبدء في الخطوات التنفيذية لمشروع تصنيع وتسويق تلك الرمال لسد حاجة السوق الداخلية، من خلال جهات وشركات وطنية والتعامل مع طلبات الشركات في السوقين الإقليمي والعالمي، من هذه الرمال التي تستخدم في مجالات المسابك والصابون والسيراميك والزجاج إلى جانب صناعات النانو تكنولوجيا والألياف الضوئية والخلايا الشمسية، وأشار إلى أن من شأن المشروع إيقاف التعامل العشوائي مع تلك الرمال، ومحاولات تهريبها داخلياً، من بعض مناطق شمال السودان.

وكشف قسم الله عن أن الوزارة ستعمل في المرحلة الأولى على تهيئة البنية التحتية لخدمة أغراض المشروع، وستبدأ عملية فتح المسارات والطرق، ليتم بعد ذلك الشروع في عمل خطوط غسيل وتجفيف وتعبئة الرمال، وأوضح أن أسعار الرمال البيضاء ترتبط بجودتها، وهناك تصنيفات عدة، تصل إلى خمس درجات من حيث التصنيف، أقلها سعراً يبلغ 180 دولاراً للطن المتري، بينما تصل بعض التصنيفات إلى 375 دولاراً.

دعوة لتحقيق القيمة المضافة أولاً

وقال أستاذ الاقتصاد محمد رفعت إن الرمال البيضاء المتوافرة في مناطق عدة في السودان، يمكن تصنيفها كثروة معدنية بحسب مواصفاتها ودرجة نقائها العالية، التي تؤهلها للدخول في صناعات الزجاج عالي الجودة كالكريستال وشرائح الطاقة الشمسية وغيرها، ما يوجب الاهتمام بها، وتنظيم الاستفادة منها، بما يسهم في إدماجها ضمن منظومة الدخل القومي، لا سيما وأن عديداً من دول العالم التي تمتلك مثل هذا المورد، تتعامل معه كثروة معدنية، تمكنها مستقبلاً من الانضمام إلى نادي الدول المصنعة لمنتجات هذا المجال.

أضاف رفعت، “الرمال البيضاء يمكن الاستفادة منها بطرق عديدة، منها إنشاء المصانع الوطنية العاملة في مجال تصنيع المنتجات الزجاجية والسيراميك وأخرى متنوعة، تجعل من هذا القطاع جاذباً للمستثمرين الأجانب والمحليين على حد سواء، محذراً من أن تصدير الرمال السودانية البيضاء عالية الجودة في صورتها الخام، سيفقد البلاد موارد كبيرة يمكن أن تتحقق عبر القيمة المضافة من خلال إنشاء مصانع وطنية لمعالجتها وتصديرها مصنعة”.

وشدد المحلل الاقتصادي محمد الناير على ضرورة الاستفادة من القيمة المضافة من هذه الرمال، ما يسهم في زيادة عائدات الدولة من النقد الأجنبي، وقال إن تصدير الرمال في شكلها الخام سيفقدها بعض مقوماتها الصناعية التي ستستفيد منها جهات أخرى، لا سيما وأن مادة السيليكون تدخل في عديد من الصناعات المتقدمة مثل ألواح كهرباء الطاقة الشمسية وصناعة الزجاج والمكونات الدقيقة في الإلكترونيات، لكن تلك المرحلة تتطلب إمكانات وطاقة كهربائية وتكنولوجيا قد يصعب توفرها في الوقت الراهن، ورأى أن بالإمكان تصدير كميات قليلة من خام الرمال البيضاء في البداية، واستغلال عائدات الصادرات في تنفيذ مشروعات بنية تحتية من أجل الشروع في التصنيع المحلي للسيليكون وإقامة مصانع خاصة بتصنيعه في مراحل أكثر تقدماً.

وسبقت هذه المرة، محاولة لم يكتب لها النجاح في النصف الأخير من العام 2018، بموجب اتفاقية إطارية بين حكومة السودان وإحدى الشركات العالمية، وقضى الاتفاق بأن تقوم الشركة بتصدير ما لا يقل عن مليوني طن من الرمال البيضاء، مقابل تشييد محطات لتوليد الكهرباء بالطاقة الشمسية وتقوية شبكات نقل الكهرباء والمحطات الفرعية، لكن المحاولة باءت بالفشل بسبب ضعف وتعقيدات السياسات الاستثمارية، والتقاطعات التي شابت الصفقة، لكن المحاولة انتهت بذهاب النظام السابق.

وجدير بالذكر أن مناطق عدة في محلية بارا في ولاية شمال كردفان، غرب البلاد، ومناطق المتمة في ولاية نهر النيل، شمال السودان، تزخر بكميات ومساحات وافرة من الرمال البيضاء الغنية بالسيليكون.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى