هل تصلح الفيدرالية ما أفسدته “المركزية” في السودان؟

شرعت الحكومة الانتقالية السودانية بتنفيذ قانون الحكم الفيدرالي الذي تضمنه اتفاق جوبا للسلام في 3 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وينص على عودة البلاد إلى نظام الحكم الإقليمي، بتقسيمه إلى ثمانية أقاليم بدلاً من 18 ولاية ابتداءً من مايو (أيار) المقبل. ويمكن أن يكون هذا النظام مفتاحاً لحل أزمات السودان المتفاقمة الناتجة من عدم توظيف التعددية الإثنية والثقافية توظيفاً سليماً ودرء ما يسفر عنها من نزاعات، وأحد أدوات إصلاح النظام السياسي، الذي لم تنجح “المركزية” في تلافي خلله طول مدة تطبيقه منذ أن استلم الرئيس السابق عمر البشير الحكم عبر انقلاب عسكري في يونيو (حزيران) 1989. بيد أن تطبيق النظام الفيدرالي يعتمد على مقومات وعوامل داخلية ومتفاعلة مع السياق الإقليمي، حتى يحقِّق الأهداف التي بُني على أساسها القرار وفق شروط محددة.

احتواء التنوع

حدّدت الوثيقة الدستورية قانون الفيدرالية على أساس لا مركزية صنع القرار في بلدٍ مترامي الأطراف، واحتواء التنوع الإثني وخلق نوع من التناغم في المسؤوليات الإدارية والقانونية بين الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، إضافة إلى معالجة ما رسّخه النظام السابق، متمثلاً في حكومة مستبدة مسيطرة على كل السلطات، ومترهّلة إدارياً ومكلفة اقتصادياً. يتوقف خلق مؤسسات الحكم على أساس فيدرالي، على منح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية خاصة بها، والشروع في تحديد هياكل الحكم الإقليمي وسلطاته وترسيم الحدود بين الأقاليم والابتعاد عن إعادة خلق أو ترميم المؤسسات التي تركها النظام السابق.
ويرتبط مظهر الحكم الفيدرالي بمسألة معقدة وهي مدى قدرة الحكومة الانتقالية الآن، والديمقراطية بعد ذلك على حماية الحقوق، فمثلاً الأقليات الإثنية أو الدينية تمثّل أقلية ضمن السودان لكنها تشكّل غالبية في مناطقها، لذلك من المهم تمتّع إقليمها بسلطات دستورية وإدارية تتلاءم مع ظروف سكانها المحلية. وهناك جانب آخر تشوبه بعض الضبابية إذا حاولنا التفريق بين الديمقراطية وتطبيق الفيدرالية في ظل الحكومة الانتقالية غير المُنتخبة. فعلى الرغم من أن الفيدرالية تعزز القيم الديمقراطية، إلا أنها ليست قاعدة ثابتة، إذ إن نظامها كان مُطبقاً ضمن النظام الديكتاتوري إبان الرئيس الأسبق جعفر النميري، الذي قام بانقلاب عسكري على حكومة منتخبة ديمقراطياً. وكان خلاله حكم الأقاليم متماسكاً ولم تتخلخل أركانه إلا بعد تحالف النميري مع الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، فنشأت نزعة التكالب على السلطة والاستعداد للاستيلاء على المركز.
أنهى البشير ما تبقى من اللامركزية وأقام على أنقاضها نظاماً مركزياً عمل على توسيع الظل الإداري والترهل الحكومي والتهميش بافتقار المناطق البعيدة من المركز إلى التنمية. وطرأت عمليات ترييف واسعة على العاصمة الخرطوم بالانتقال إليها من أطراف البلاد والضغط على الخدمات وتفشي البطالة وغيرها.

حدود إثنية

منذ تضمين قانون الحكم الفيدرالي في الوثيقة الدستورية، تحركت مجموعات إثنية وقبلية كثيرة وكأن كلّاً منها تريد إثبات وجودها من خلال مجلس شركاء الحكم الانتقالي. ولما كان المجلس محدداً بالحركات المسلحة أي أن الفرصة في الشراكة ستكون على أساس محاصصات سياسية، استشعر هؤلاء خطر حرمانهم من السلطة، فنشط التحرك بصورة أوسع وعلى شكل مظالم، تارةً اجتماعية وتارةً أخرى قانونية. المعضلة التي ستواجه تطبيق الفيدرالية هي أنه بينما يتم التخطيط لها لتكون على أساس إداري، فإنها بصورة ما ستنصرف إلى التشكّل على أساس قبلي وإثني وكل فئة ستتعلّل بوجودها وأحقيتها التاريخية في تقسيمها على هذا الأساس. كما سيواجه تنفيذها مشكلة قانونية ومؤسسية في كيفية أداء الدستور الفيدرالي لوظيفة تقاسم السلطة بين مستويَي الحكومة الاتحادية وحكومات الأقاليم، غير أن الهاجس الأكبر سيكون في إمكانية إيجاد حل دائم للمشكلات القائمة، إذ إن تنظيم حكومات إقليمية مستقلة مع ضرورة أن تكون في إطار وحدة سياسية وجغرافية تحت مسمّى “السودان الواحد”، يستلزم ثقافة شعبية وسياسية عميقة تضبط تصرّف التصنيفات القبلية والإثنية في وحدتها الجغرافية بشكل مستقل عن الحكومة الاتحادية. ورأينا ذلك في الأشهر الماضية، إذ استُنفر التحشيد القبلي من أجل مطالب معينة لافتتها الأساسية اسم القبيلة أو الإثنية، ومنها مطالب حقوقية واحتجاج ضد القبض على بعض أبناء القبائل من قبل “لجنة إزالة التمكين” بناءً على انتمائهم إلى “حزب المؤتمر الوطني” المحلول. ولكن غابت عن تحرّكاتهم الصفة السياسية والوظيفية إبان وجودهم في الحكم وبرزت الجهوية بديلاً عنها.

ثغرات الحكم

من ناحية أخرى، تبرز سلبيات النظام الفيدرالي كثغرات في جسد الحكم الإقليمي، تستند إلى افتراض محاولة ترضية المجموعات الإثنية المتنوعة والمصالح الفئوية، التي قد لا تتحقق في حالة السودان، نظراً إلى تداخل هذه المجموعات عبر المساحات الجغرافية، وقد تزيد من بواعث الصراع لأن الاقتتال كان على ملكية الأراضي واحتكارها أو الاستيلاء عليها. وهناك أيضاً كثرة المصاريف على حكومات الأقاليم بكل اختصاصاتها وتعدد سلطاتها في ظل الأزمة الاقتصادية، وعدم وجود موارد إقليمية نشيطة يُستفاد منها على نحو واسع لمصلحة الحكومة الاتحادية والدولة، مما قد يُظهر أشكال فساد أخرى. أما اختلاف القوانين والتشريعات من إقليم إلى آخر، فقد يكون سلاحاً ذا حدين، فهو من ناحية يراعي خصوصية كل إقليم، ومن ناحية أخرى يؤدي إلى اضطراب المعاملات بين الأقاليم في مسائل عدة كالتجارة والعمل والزراعة والصناعة والأحوال الشخصية وغيرها، مما قد يثير منازعات عدة، بسبب تعارض قوانين الأقاليم في بعض الأحيان مع قوانين وتشريعات الحكومة الاتحادية.
أما الخطر الأكبر، فهو احتمال تهديد وحدة الدولة ذاتها عبر تحفيز نزعة تقرير المصير، إذا ما قويت سلطة إقليم ما ينادي بهذا المطلب مثل إقليم دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان، وتصاعد تلك النغمة في إقليم شرق السودان. وتتفاقم هذه المخاطر إذا علمنا أن الفيدرالية ستطبّق في ظل نظام يقف على أعتاب الديمقراطية وبمؤسسات غير ديمقراطية وضعيفة. ويمكن أن تزداد دعاوى الانفصال تحت شعار الفيدرالية أو الحكم الذاتي، وستتعلّل كل مجموعة بكثرة تعدادها وقد تستقطب النازحين من مناطقهم والمهجّرين في العاصمة والمدن الأخرى من أجل إعادة تشكيل إقليم يتمتع بالحكم الذاتي، وسيساعد في ذلك بعض التسهيلات والإغراءات التي من الممكن أن تقدمها الحكومة الاتحادية من أجل عودة هؤلاء لتعمير مناطقهم، التي بالتالي قد يعرقلها قصور التنمية التي يتوقع أن تستغرق مدة طويلة من الزمن، ولكن ربما يضمن هؤلاء الحفاظ على حقوقهم في الدستور الجديد، وهو ما تم التمهيد له بفصل الدين عن الدولة. ولا تسهّل هذه الخطوة مدنية الدولة فحسب، بل تحمل في طياتها مطالب التحرّر من انتماءات أخرى لغوية وثقافية، ويقود ذلك إلى تعديلات قانونية في مجالات التعليم والثقافة والإنتاج وغيرها.

سياق إقليمي

من جهة أخرى، تحيط بالسودان دول ذات تمايز إثني أو طائفي أو قبلي، وقد كانت فيدرالية إثيوبيا نموذجاً للسودان، كثيراً ما رأت نُخب سياسية سودانية أنها الأنسب للبلاد. ولكن عندما تجسّد فشلها هناك في معالجة التمايزات الإثنية بوضوح شديد، وأدى بالتالي إلى نزاعات مسلحة، نسبت النخب السودانية ذلك إلى عوامل خارجية أكثر منها نابعة من الداخل. وفي غرب القارة الأفريقية، قاد تطبيق الفيدرالية في نيجيريا إلى استشعار المجموعات العرقية والطائفية المتنافرة لحقوقها في الثروة وسط نزاعات قديمة ومتجددة. ومن النماذج أيضاً، فشل مبادرات عدة طُرحت لإقامة كونفيدرالية القرن الأفريقي بسبب عقدة الهوية الإثنية، إضافة إلى عوامل التوتر المختلطة ما بين إثني وديني وإرهابي وسياسي، وتلاشى نفوذ الدولة في أجزاء من مناطقها المتنازع عليها، مثل المناطق الملتهبة بين إثيوبيا والصومال، وبين الأخيرة وكينيا وغيرها.

شروط أساسية

تشكّل الفديرالية ركيزة أساسية للحكم متوافقة زمنياً مع التحول الديمقراطي، ولا تكمن المشكلة على هذا المفترق في الفرص المتوفرة لتطبيقها، وإنما في إقامة المؤسسات الخاصة وفق جملة من المعايير والقيم والثقافة الديمقراطية التي تستند إليها كشروط أساسية. أولاً: إزالة الشعور بانعدام الأمن وما يترتب عليه من حاجة للدفاع الآني. وقد لا يغيب عن الأذهان أن بعض الولايات التي ستدمج كأقاليم، خصوصاً دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان هي قنابل موقوتة وخليط من الحركات المسلحة المستنفرة قبليّاً.
ثانياً: ترتيب قضية اقتسام الثروة، إذ إن مناطق النزاعات نفسها تحتوي على موارد اقتصادية هائلة، تستفيد منها الحركات المسلحة بطرق بدائية كالتنقيب عن الذهب والصراع حول النفط، وما يتناقله بعض الأخبار عن وجود احتياطي من اليورانيوم في السودان بحسب “معهد الذرّة” في دراسة أجراها عام 2010، وتجدد هذا الحديث مرة أخرى في مارس (آذار) 2018، إذ أفاد مركز الأبحاث الجيولوجية التابع لوزارة المعادن بوجوده “في جبال النوبة وشمال كردفان وغرب دارفور وصحراء بيوضة في ولاية نهر النيل والبطانة وجبال البحر الأحمر”. كما تشكّل الثروة الحيوانية مصدراً للنزاعات المستمرة بين القبائل بسبب التداخل بين المراعي.
ثالثاً: إزالة رواسب الاختلافات في اللغة والعرق، إذ يصعب توحيد إقليم جغرافي على أساس عرقي أو لغوي، فدارفور مثلاً تسكنها قبائل عدة متجانسة إلى حد ما ولكنها تتحدث أكثر من لغة وكذلك الحال بالنسبة إلى منطقة جبال النوبة. وشهدت المنطقتان هجرات جماعية بسبب الحرب إلى مناطق مختلفة من السودان. ويمكن هنا الإشارة إلى هجرة أبناء دارفور من قبيلة الفلاتة وغيرها إلى شمال البلاد. ونشأت نتيجة هذا الوجود، أحداث قوامها الصراع على الأرض والإنتاج. وكذلك هجرة أبناء جبال النوبة من جنوب كردفان (غرب) إلى شرق السودان واندلاع النزاعات والأحداث الأخيرة بينهم وقبيلة بني عامر في ولايات الشرق.
وتتطلب قدرة الحكومة الانتقالية على الإيفاء بالمعايير الضرورية لإرساء الفيدرالية، وجود مؤسسات دولة قوية وضمانات دستورية وليس في ظل دولة هشة مهزوزة اقتصادياً، مما سيفرز نظاماً فيدرالياً شكلياً أو مركّباً، إذا لم تستطِع الحكومة تطبيقه كاملاً.

إندبندنت

تعليقات الفيسبوك


اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى