هل أنقذت 16 تريليون دولار اقتصاد العالم من الانهيار؟

قال صندوق النقد الدولي إن جزءاً كبيراً من الانتعاش الذي يشهده الاقتصاد العالمي اليوم نتاج ما يقرب من 16 تريليون دولار من الحوافز المالية وضخ السيولة من الحكومات والبنوك المركزية، بخاصة في الدول الغنية. وكانت الحكومة الأميركية قد تعهدت وحدها بنحو 5 تريليونات دولار في الإنفاق التحفيزي منذ بدء الوباء. تصريحات الصندوق تأتي على هامش انطلاق اجتماعات الربيع السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين، التي تبدأ اليوم الإثنين، الخامس من أبريل (نيسان)، وتستمر حتى 11 أبريل، وينضم إليها صانعو السياسات من مجموعة “العشرين” وغيرها من المؤسسات الدولية الأخرى، ومن المتوقع أن تهيمن الاستجابة الوبائية بما في ذلك توزيع اللقاحات ومساعدة الدول التي تكافح تداعيات الوباء على المحادثات هذا العام.

ويناقش كبار المسؤولين الاقتصاديين أيضاً سبل إعادة بناء الاقتصاد العالمي، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز القدرة على الصمود في مواجهة التغير المناخي. ويخططون للتركيز في الاجتماعات الافتراضية هذا الأسبوع على احتمالية ظهور تحورات جديدة لـفيروس “كوفيد-19” وعمليات الإغلاق التي تقوض الانتعاش العالمي مع تقييم الإجراءات لمنع الضرر الدائم للفئات السكانية الأشد فقراً وضعفاً.

ويشهد الاقتصاد الدولي تعافياً بشكل أسرع مما توقعه عدد من الاقتصاديين مدعوماً بالنمو في الولايات المتحدة والصين والوتيرة المتسارعة للتلقيح في عدد من البلدان الغنية. ومع ذلك، فإن موجة جديدة من عمليات الإغلاق من أوروبا إلى كندا تهدد هذا النمو، إذ يتخلف عدد من الدول منخفضة ومتوسطة الدخل ذات الموارد المحدودة.

وقالت كريستالينا جورجيفا، المديرة الإدارية لصندوق النقد الدولي، التي تشارك في استضافة الاجتماع مع البنك الدولي، في استعراض القضايا التي تواجه محافظي البنوك المركزية ووزراء المالية، “نافذة الفرصة تغلق بسرعة”، وأضافت، “كلما استغرق الأمر وقتاً أطول لتسريع إنتاج اللقاحات وإطلاقها، كان من الصعب تحقيق هذه المكاسب”.

صندوق النقد يرفع توقعاته لنمو الاقتصاد العالمي

وفي تقرير يصدر غداً الثلاثاء، بحسب “وول ستريت جورنال”، يخطط صندوق النقد الدولي لرفع توقعاته للنمو العالمي لهذا العام من التوسع المتوقع بنسبة 5.5 في المئة في يناير (كانون الثاني)، حسب ما قالت جورجيفا في عرضها التقديمي الأربعاء الماضي، من انكماش يقدر بنحو 3.5 في المئة عام 2020، الأسوأ منذ الكساد الكبير.

وكان الصندوق قد توقع في يناير الماضي نمواً بنسبة 5.1 في المئة هذا العام في الولايات المتحدة، لكن المتنبئين من القطاع الخاص عززوا توقعاتهم منذ ذلك الحين إلى 7 في المئة أو أكثر، بعد إصدار مارس (آذار) لحزمة تحفيز جديدة بقيمة 1.9 تريليون دولار، وكان من المتوقع أن تنمو الصين، التي سيطرت على الوباء بسرعة أكبر لاستئناف الإنتاج والصادرات، بنسبة 8.1 في المئة.

تحورات فيروسية تقوض النمو

في الوقت نفسه، فإن أحد المخاطر المتزايدة على التوقعات الاقتصادية هو ظهور متحورات فيروسية، وتم تحديد ثلاثة منها في المملكة المتحدة وجنوب أفريقيا والبرازيل وانتشرت منذ ذلك الحين في كل أنحاء العالم، تشترك كلها في ميزات مثيرة للقلق تهدد بإلغاء التقدم في دحر الوباء إذا ترك الفيروس دون رادع.

ويقول الباحثون إن هناك أدلة مقنعة على أن هذه التحورات وسلالاتها أكثر قابلية للانتقال من الإصدارات القديمة من العامل الممرض، لقد بدأت بالفعل في إحداث فاشيات جديدة واستجابات الصحة العامة التي تقوّض النمو، وبدأت المملكة المتحدة الآن فقط في تسهيل طريقها للخروج من الإغلاق الساري منذ يناير، وأعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إغلاقاً وطنياً جديداً الأسبوع الماضي، مشيراً إلى الزيادات الحادة في الحالات المنسوبة إلى هذه المتغيرات الأكثر عدوى.

وفي كندا، شهدت أوتاوا عدداً قياسياً من الحالات، أمس الأول، وتحتفظ أونتاريو بالقيود التي أغلقت المطاعم والصالات الرياضية وخدمات الرعاية الشخصية لأسابيع، وسجلت البرازيل والهند زيادات حادة في عدد الحالات، وتعمل الولايات المتحدة على تخفيف القيود، وتسارع طرح اللقاح، ولكن مع ارتفاع عدد الحالات الجديدة جزئياً بسبب المتغيرات حذر المسؤولون من زيادة محتملة.

واقترحت بعض الدراسات المعملية أن المحصول الحالي من اللقاحات قد يفقد بعضاً من فعاليته عند مواجهة المتغيرات في جنوب أفريقيا والبرازيل على وجه الخصوص، القلق هو أن الفيروس سيصادف طفرات جديدة يمكن أن تساعده في التهرب من المناعة المكتسبة من اللقاح وبذر فاشيات جديدة تدفع الحكومات إلى إغلاق أجزاء من اقتصاداتها مرة أخرى.

في الوقت ذاته، لا يزال العلماء متفائلين على نطاق واسع لأن تقنيات اللقاح التي يتم نشرها ضد الفيروس وأنظمتنا المناعية قادرة على التكيف أيضاً، ومع ذلك، يقول العلماء إن ظهور هذه المتغيرات يعزز الحاجة إلى القضاء على سلاسل الانتقال والتطعيم على أوسع نطاق ممكن لإعطاء الفيروس فرصاً أقل للتكاثر واكتساب طفرات جديدة مفيدة والعودة مرة أخرى.

وقال أليكس سيغال، الذي يقود فريقاً من الباحثين الذين كانوا يحققون في متغيرات فيروس كورونا في معهد أفريقيا للأبحاث الصحية في جنوب أفريقيا، “سيكون هذا بمثابة تجربة تطور في العالم الحقيقي، وتساءل هل يمكن للمتغيرات التغلب على اللقاحات؟”

تفاوت ثروات بلدان العالم

حتى قبل المخاوف الجديدة بشأن المتغيرات كان صانعو السياسة العالمية قلقين بشأن التفاوت المتزايد في الاقتصاد العالمي هذا العام. ففي البلدان الناشئة والنامية، أدت أزمة فيروس “كوفيد- 19” إلى خفض نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي بمقدار الخُمس، ما يقرب من ضعف الخسارة بين الاقتصادات المتقدمة، وفقاً لتقديرات الصندوق، وفي العام الماضي، وقع أكثر من 100 مليون شخص، معظمهم في جنوب آسيا، في فقر مدقع، الذي يُعرف بأنهم من يعيشون على أقل من 1.90 دولار في اليوم، ويقول الصندوق إن ستة ملايين طفل على مستوى العالم قد يتركون المدرسة هذا العام، ما يعيق آفاقهم المستقبلية.

وقالت جورجيفا، “الثروات الاقتصادية تتباعد، واللقاحات ليست متاحة بعد للجميع، وفي كل مكان لا يزال كثير من الناس يعانون فقدان الوظائف وزيادة الفقر، في حين أن عديداً من البلدان تتخلف عن الركب”.

مقترح للصندوق بإصدار 650 مليار دولار

وكانت الأموال المخصصة لمساعدة الدول الفقيرة محدودة، وركزت الاقتصادات الكبرى على مكافحة الوباء وإصلاح اقتصاداتها، وقدمت نظيرتها الرئيسة في مجموعة العشرين نحو 5 مليارات دولار، لتخفيف خدمة الديون لأكثر من 40 دولة منخفضة الدخل، لكن مقرضي القطاع الخاص لم ينضموا إلى هذا الجهد، وتضاعفت الديون الخارجية للبلدان منخفضة الدخل بين عامي 2010 و2019 لتصل إلى أكثر من 750 مليار دولار، وفقاً لمعهد التمويل الدولي.

وقالت نادية دار، رئيسة مكتب منظمة “أوكسفام” الدولية بواشنطن، “الاستجابة المالية التي قدمها العالم لم تكن كافية، وأضافت لقد تمكنت الحكومات الغنية من الموافقة على تريليونات الدولارات من حزم التحفيز للشركات، والتحويلات النقدية للأفراد، واللقاحات، والتعليم”. متسائلة، “ولكن ماذا عن البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط؟”.

ولمعالجة المشكلة من دون زيادة هذا العبء، اقترح صندوق النقد الدولي إصدار 650 مليار دولار من حقوق السحب الخاصة، وهو أصل احتياطي دولي يمكن للدول استبداله بالدولار أو العملات الرئيسة الأخرى لتغطية الالتزامات، ويقول النقاد إن هذه طريقة غير فعالة لمساعدة الدول الفقيرة لأن معظم حقوق السحب الخاصة تُمنح للدول الغنية، التي هي أكبر مساهمي صندوق النقد الدولي، ويقول المشرعون الجمهوريون في الولايات المتحدة أيضاً إن الإصدار قد يساعد الأنظمة القمعية والإرهاب الذي ترعاه الدولة.

ورداً على هذه الاعتراضات، قالت وزارة الخزانة الأميركية إن الاقتصادات المتقدمة تسعى إلى إيجاد طرق لإقراض بعض حقوق السحب الخاصة للبلدان منخفضة الدخل، وأضافت وزارة الخزانة أيضاً أن بإمكان الولايات المتحدة رفض مبادلة الدولارات بحقوق السحب الخاصة للدول التي تختلف سياساتها عن المصالح الأميركية.

مخاوف

وأشارت أوديل رينو باسو، رئيسة البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير، “تظهر مخاوف بشأن الآثار السلبية المحتملة للإنفاق الهائل على التحفيز من قبل الولايات المتحدة والدول الغنية الأخرى على العالم النامي، في حين يمكن أن يؤدي التحفيز إلى إذكاء التضخم، ما يدفع البنوك المركزية إلى رفع أسعار الفائدة، بالتالي زيادة عبء الديون على البلدان”، وأضافت، “الاقتصاد العالمي أظهر حتى الآن مرونة هائلة”.

وقال رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم بأول إنه “لا يتوقع تغيير السياسة النقدية السهلة للبنك المركزي قريباً”. ومع ذلك فإن العائد على سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات كان 1.72 في المئة أواخر الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 0.91 في المئة نهاية العام الماضي، على خلفية بوادر انتعاش اقتصادي متسارع، لا تزال منخفضة بالمعايير التاريخية.

وأدى ارتفاع العائدات الأميركية إلى سحب رأس المال بعيداً عن الأسواق الناشئة، ما أدى إلى ضغوط هبوطية على عملاتها، بينما غذى التضخم ومخاوف التضخم في المستقبل. وفي الشهر الماضي، أطاح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان محافظ البنك المركزي في البلاد، الذي رفع أسعار الفائدة مراراً وتكراراً في محاولة لترويض التضخم.

إندبندنت


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

x