جريمة لم تتوقعها الشرطة

1

شارفت شمس ذاك اليوم على الغروب، ملوحة بإشارات الوداع وهي ترسل أشعتها الناعسة إلى الأرض، تضرب وجوه أهل العاصمة الخرطوم، الكالحة كعادتهم، ثم تبدأ في الأفول شيئاً فشيئاً، الطرقات تكتظ بالمارة، السيارات تطلق أبواقها في الفضاء، في تلك اللحظة كان (م) وهو شاب عادي من غمار الناس، هذا الشاب حاول عبور الطريق الرئيسي (الظلط)، في أحد طرقات مدينة بحري لكن دراجة هوائية (عجلة) جاءت مسرعة صدمته بقوة أسقطته على الأسفلت وفارق الحياة بالمستشفى.

2
(قضاء وقدر)، هاتان الكلمتان تصدرا المشهد حين إعلان الوفاة، الكل تفوه بهما مع الرحمة والمغفرة للضحية، حينما يروي شهود العيان الحادث، يقول المستمعون سبحان الله إنها الأقادر (قضاء وقدر)، ويرددون في تعجب وإدهاش (عجلة بتقتل ليها زول؟)، سائق (العجلة) سرعان ما تحول إلى متهم بالقتل وإن كان غير عمد أو مقصود لكنه في نهاية المطاف أصبح متهماً، وأدخل حراسات قسم شرطة المرور، ووضعت (العجلة) معروضات في البلاغ، كأغرب معروض في حادث مروري نتج عنه (موت)، وكذلك سائقها كان أغرب سائق يقبع في حراسة المرور ولم تسأله الشرطة من رخصة القيادة أو التأمين.

3
ذوي الضحية تقبلوا الحادثة، لكن طبيعة الإجراءات تتطلب نقل الجثة إلى المشرحة، لمعاينتها وإجراء عملية التشريح في حال وجود شبه جنائية، أكثر المتشائمين لم يتوقع وجود شبهة جنائية حسب الوسيلة التي ارتكتب الحادثة، (العجلة)، وانقطاع الصلة بين سائقها والضحية، أضف إلى ذلك وقوعها في طريق عام صادف وجود شهود عيان، بعضهم ساعد في إسعاف الضحية عقب الحادثة، هذا كله جعل منها حادثة مرورية عادية لا تخرج من دائرة الزي الأبيض بأي حال من الأحوال.

4
المرور أفرجت عن المتهم بالضمان، بعد استيفائه الشروط الجنائية في مثل هذه الحالات، بالمقابل يرقد جثمان الضحية في مشرحة أم درمان، في أعداد جثث موتى الحوادث المرورية، وغالباً هذه الجثث يطلب ذووها استلام الجثامين دون تشريح، لأن أسباب الموت فيها معلومة وباينة، ذوو الضحية في حادثة (العجلة) لم يختلفوا عن بقية ذوي موتى الحوادث المرورية، فطالبوا بتسليمهم الجثمان دون تشريح، لكن إدارة المشرحة كان لها رأي آخر، طبيبها عاين الجثة ظاهرياً ووقف على طبيعة الإصابات التي كانت في الرأس، وبعض الكدمات، رغم أن الحادثة واضحة وجميع أطرافها متوفرة لكن الطبيب كان ينظر من زاوية أخرى ويفكر خارج صندوق المرور، بل وضع من الوهلة الأولى خارطة جنائية مختلفة تماماً عن كل المحيطين بالحادثة منذ وقوعها وحتى الإفراج عن المتهم سائق (العجلة)، قرر الطبيب أن يجري عملية تشريح على الجثة للتأكد من شيء ما حرك كوامن الشك في نفسه حسب خبرته الجنائية في مجال الطب العدلي، ربما لم يفاجئ قرار الطبيب ذوي الضحية بل ربما تذمر بعضهم لهذا التأخير غير المبرر، بينما بدأ الشك يدب في نفوس البعض الآخر سيما وأن الطبيب بدأ عملية التشريح، وخارج المشرحة تسود حالة من الاستغراب .. (كيف تشرح جثة متوفي في حادث عجلة؟) هكذا كان يتساءل المحتشدون ، بالداخل يرتدي الطبيب كمامته ويحمل مشرطه لسبر غوار الشك الذي يعتريه، حو الجثة الممدة على طاولة التشريح.

5
حادثة (العجلة) لم تكن بعيدة عن حادثة (كيث وارن) – (وارن) هذا شاب أمريكي – تسعة عشر عاماً- (وران) عُثر عليه مشنوقاً داخل حديقته الخاصة بولاية ميرلاند، وقتها الشرطة عاينت المكان وأجرت تدابيرها الجنائية، وخلصت تحقيقاتها الأولية والنهائية إلى أن (كيث وران) مات منتحراً، وقالت إن الحادثة ليست سوى حادثة انتحار عادية ولا يوجد مشتبه به، لكن بعد مرور خمس سنوات على وفاة (وارن) تلقت والدته رسائل مجهولة المصدر حملت صوراً توضح الطريقة التي قتل بها ابنها – رغم ذهول والدة الضحية وعرضها الأمر للشرطة إلا أن السلطات لم تنجح في فك طلاسم الجريمة حتى اليوم.
الغموض وحده كان القاسم المشترك بين حادثة (العجلة) و(وارن)، كذلك تتفق الحادثتان في اختفاء المعالم والآثار أو المتعلقات التي عادة ما يتركها الجناة في مسارح الجرائم، رغم موت (م) بحادث معلوم لبعض شهود العيان في أحد طرقات مدينة بحري في العاصمة الخرطوم، إلا أن الطبيب الشرعي كان كلما وضع سنة مشرطه على جسد الضحية يقترب من تفجير بركان الشبهات، ويحاصر الشكوك، إلا أن وضع مشرطه وغسل أياديه ثم كتب في تقريره ما يدهش الشرطة قبل الأسرة، قال بالحرف الواحد أن الضحية تعرض لإعتداء وحشي في الرأس بآلة حادة، واستبعد أن تكون (العجلة) هي سبب وفاة الشاب.

6
تقرير الطبيب غير مسار الواقعة جملة وتفصيلاً، النيابة وجهت بتحويل البلاغ من مرور إلى قتل عمد، التقرير وضع سلطات التحقيق في مأزق حقيقي، وأدخل الأسرة في حيرة كبيرة بل جعلها تفكر وتعيد التفكير مرات ومرات، وتطلق عنان التساؤلات، لكنها بكل الأحوال وضعت الأمر موضع الاهتمام والجدية، وتعاملت معه كفعل مدبر ولم تستبعد أن يكون سائق (العجلة) قد اشترك في الحادثة لإخفاء معالم الجريمة والتمويه على السلطات وعمل ساتر على الجاني الرئيسي، كل هذه التساؤلات، دارت في مخيلة السلطات الرسمية أيضاً بل المحققون حملوا الأمر بجدية أكثر، وبدأوا رحلة بحث عن الجاني، عادت الشرطة إلى مسرح الحادثة الأولى رغم يقينها بعدم وجود متعلقات أو إشارة تدلهم على الجاني، لكن ثمة رسم وتحليل جنائي كان الأمل الوحيد رغم الضباب الكثيف الذي يحجب رؤية المحققين تماماً إلا أنهم التقطوا خيط رفيع، كان عبارة عن معلومة تخص عمل الضحية، أي المحققون علموا أنه كان يعمل سائقاً لحافلة خاصة بسيدة، بحثوا عنها وجدوها تقيم في بحري، بل ويقع بيتها بالقرب من الطريق الرئيسي الذي شهد حادثة (العجلة)، من -هنا- بدأ التحقيق يأخذ طابعاً جاداً ومثمراً بعض الشيء، أول خطوة خطاها فريق التحقيق كانت الوصول إلى منزل السيدة، وعند العثور عليه اقتحموه بذكاء واقتادوها إلى قسم شرطة قريب، الغريب في الأمر أنها كانت منهارة منذ البداية لذلك لم تقاوم التحقيق كثيراً فأقرت بأنها وشقيقها اعتديا على الشاب بواسطة (كوريك) في رأسه نتيجة لخلاف معه بدأ مع شقيقها، السيدة قالت إن الشاب خرج منها واتجه نحو الطريق الرئيسي (موقع الحادث) وبعدها لم تعلم عنه شيئاً.

الشرطة أوقفت شقيقها وأخضعته للتحقيق ولم يخف شيئاً عن وقائع الجريمة بل أقر بالاعتداء على الضحية، لتضعهما الشرطة متهمين أساسيين في بلاغ القتل العمد، وتطلع سائق (العجلة)، الذي تفاجأ بمجريات وملابسات الحادثة منذ اصطدامه بالشاب وحتى كشف الملابسات الحقيقية وراء موته.

السوداني


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


رفيف أحمد

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.