من يستطيع إسقاط الدولار الأمريكي عن عرشه؟

جددت روسيا الشهر الماضي دعوتها لتقليل الاعتماد على الدولار الأميركي ونظم المدفوعات الغربية في مواجهة تصاعد العقوبات الأميركية على روسيا. وقبل توجهه في زيارة رسمية إلى الصين يوم الاثنين 22 مارس (آذار)، قال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف لوسائل الإعلام الصينية، إن روسيا والصين مضطرتان للتطور بعيداً عن الولايات المتحدة، لمواجهة محاولات واشنطن عرقلة التطور الكنولوجي في البلدين.

وقال لافروف: “نحتاج لتقليل مخاطر العقوبات بتعزيز استقلالنا التكنولوجي، والتحول إلى نظم مدفوعات بعملاتنا الوطنية وعملات دولية أخرى بديلة للدولار الأميركي… علينا أن نبتعد عن نظم المدفوعات والتحويلات الدولية التي يتحكم بها الغرب.”

فهل يمكن لروسيا والصين النيل من مكانة الدولار كعملة احتياط رئيسة في العالم، وعملة مدفوعات وتحويلات وأيضاً عملة تقويم لسلع رئيسة في التجارة الدولية؟ وإلى أي مدى يمكن لدول أخرى أن تحذو حذوهم في الابتعاد عن التعاملات بالدولار عبر الحدود؟ وإيجاد بدائل لنظم المدفوعات الرئيسة مثل سويفت؟

محاولات روسية

ليست تصريحات لافروف الشهر الماضي بالأمر الجديد، بخاصة في علاقات روسيا والصين. فقد أعلن الرئيسان الروسي والصيني في يونيو (حزيران) العام الماضي، أنهما سيتوسعان في تسوية المبادلات التجارية بين بلديهما بالعملات الوطنية.

وبدأت روسيا منذ نحو عقد من الزمن في تقليل الاعتماد على الدولار في نظامها المالي، مع بدء فرض عقوبات أميركية عليها. ومنذ عام 2013 خفض البنك المركزي الروسي نسبة مكون الدولار في احتياطياته من النقد الأجنبي من 40 في المئة إلى 24 في المئة فقط. ومنذ عام 2018 حتى نهاية العام الماضي، انخفض ما لدى البنوك الروسية من سندات الخزينة الأميركية من نحو 100 مليار دولار إلى نحو 10 مليارات دولار فقط. وأعلنت وزارة المالية الروسية عن خطط لتقليل نصيب الدولار الأميركي من أصول الصندوق السيادي الروسي المقدر بنحو 125 مليار دولار.

ومنذ أزمة شبه جزيرة القرم مع أوكرانيا عام 2014 وتصاعد العقوبات الأميركية على روسيا يقول الروس، “نحن لا نهجر الدولار، ولكن الدولار هو الذي يهجرنا” على حد تعبير الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي يرى أن أميركا “تستخدم الدولار سلاحاً سياسياً”.

وبدأت روسيا أيضاً في تقليل إصدارات سندات دين سيادية بالدولار، وغالباً ما تصدر سندات الدين بالروبل الروسي أو اليورو. وتدرس الحكومة الروسية إصدار سندات مقومة باليوان الصيني. ومنذ عام 2014، قلصت الشركات الروسية ديونها بنحو 260 مليار دولار، منها على الأقل 200 مليار دولار من سندات الدين بالدولار الأميركي.

في عام 2019 تمت تسوية ما نسبته 62 في المئة من الصادرات الروسية من السلع والخدمات بالدولار، مقابل ما نسبته 80 في المئة عام 2013. على سبيل المثال، في 2013 كانت معظم تجارة روسيا مع الصين تتم تسويتها بالدولار، الآن لا يتم تسوية سوى أقل من نصف تلك التجارة بالدولار. وفي تلك الفترة تقريباً تحولت التجارة الروسية مع الهند من التسوية بالدولار إلى التسوية بالروبل تقريباً، ربما لأن أغلب التجارة الروسية مع الهند هي في قطاع السلاح الأكثر تأثراً بالعقوبات.

كذلك أخذت شركات الطاقة الروسية في تقليل طرح مناقصاتها بالدولار. على سبيل المثال، تبرم شركة “روزنفت” التي تستحوذ على نحو40 في المئة من قطاع الطاقة الروسي عقودها باليورو. وقبل عام قامت شركة “غازبروم” بتسعير شحنة غاز طبيعي لأوروبا الغربية بالروبل للمرة الأولى.

مشكلة الصين

منذ سنوات تسعى الصين للدفع بعملتها الوطنية لتصبح عملة احتياط دولية، وعلى الرغم من النجاح في تسوية مدفوعات خارج الحدود باليوان إلا أن اعتماد الصين على الدولار وعلى نظام سويفت للمدفوعات يظل كبيراً. وفي الأعوام الأخيرة دفعت الصين نحو تطوير تكنولوجيا مالية جعلت منصات مدفوعات رقمية صينية تصل خارج الحدود. لكن السياسات الحكومية الصينية المركزية غالباً ما تؤدي إلى عرقلة ذلك التوسع. ولعل أبرز مثال ما حدث مع منصة الدفع الإلكتروني التابعة لمجموعة علي بابا (علي باي) الممثلة في شركة “آنت فاينانشيال” التي بدأت تتسع شبكتها خارج الصين. لكن حملة الحكومة على المجموعة ومؤسسها الملياردير جاك ما أخيراً عطلت ذلك التوسع.

كانت أول محاولة صينية لتأسيس نظام حسم وتبادل بعيداً عن الدولار في أعقاب الأزمة المالية عام 2008، لكنها لم تنجح. لكن بكين طرحت في 2015 نظاماً للمدفوعات والتسويات المحلية (CIPS)، لكن في النهاية لم تصل عملياته في عام 2018 كله إلى حجم العمليات التي تتم عبر نظام سويفت في يوم واحد.

وهناك تقاريرـ أشارت مجلة “إيكونوميست” إليها العام الماضي، تفيد بأن الصين والهند ودول أخرى تعمل على وضع نظام مدفوعات وتسويات مالية بديلاً لنظام سويفت. كما أن اليوان الرقمي، الذي تعمل عليه بكين منذ نحو ست سنوات أصبح في مراحل متقدمة لإصداره، لكنه حتى الآن يظل عملة رقمية من بنك الشعب (المركزي) الصيني للمدفوعات والتحويلات داخل الصين.

الدولار والعقوبات

في كتابه الشهير عن الدولار “ميزة باهظة” يرى الاقتصادي الأميركي باري أيشنغرين، أن صعود الدولار ليصبح عملة العالم ما بعد الحرب العالمية الثانية يحمل ميزات هائلة للولايات المتحدة، لكنه أيضاً يمثل عبئاً عليها. وعلى الرغم من أنه يخلص إلى أن مكانة الدولار ستظل متماسكة عالمياً، لكنه يحذر من احتمال ضعف هيمنة الدولار دولياً.

ويقول أيشنغرين: “العالم الذي علينا الاستعداد له هو عالم تتواجد فيه عدة عملات دولية معاً… سوء الإدارة المالية والاقتصادية من جانب الولايات المتحدة هي ما يمكن أن تؤدي إلى هجر الدولار. وكما تذكرنا الأحداث الأخيرة، فإن سوء الإدارة ليس أمراً علينا تجاهله. قد نواجه انهياراً للدولار، لكننا سنجلب ذلك على أنفسنا”.

يرى كثير من الاقتصاديين أن توسع إدارة الرئيس الأميركي الأسبق دونالد ترمب في استخدام العقوبات الاقتصادية كان السبب الرئيس وراء بروز فكرة التخلي عن الدولار كعملة رئيسة للاحتياطيات والمدفوعات والتجارة عالمياً.

صحيح أن الولايات المتحدة لجأت لسلاح العقوبات بعد أحداث سبتمبر (أيلول) 2001، لكن التوسع فيها كان في السنوات الأخيرة. ولدى الولايات المتحدة الآن أكثر من 30 نظام عقوبات تشمل دولاً كثيرة حول العالم. ولم يعد الأمر قاصراً على أعداء الولايات المتحدة، الذين سيحاولون الإفلات من وطأة العقوبات عليهم بإيجاد بدائل للتعامل بعيداً عن الدولار وعن نظام سويفت. بل إن أصدقاء أميركا أيضاً بدأوا يفكرون في التملص من هيمنة الدولار كي تتمكن بنوكهم وشركاتهم من العمل دون الوقوع تحت طائلة العقوبات الأميركية على أعدائها.

بعد توليها منصبها كرئيس للمفوضية الأوروبية صرحت أورسولا فان دير لين، بأنها تريد تعزيز الدور العالمي لليورو. وبالعودة لكتاب الاقتصادي الأميركي باري أيشنغرين الذي يذكر فيه العملة الأوروبية الموحدة كمصدر تهديد لهيمنة الدولار، لكنه يقول: “اليورو بالأساس مشروع سياسي. وهذا سر ضعفه، لأنه يوضح كيف أُطلق اليورو قبل توفر كل مقومات عمله أولاً. لكنه أيضاً سبب قوته، إذ إن الدول الأعضاء ترى أن عليها توفير تلك المقومات. لذا سيخرج اليورو من أزمته أقوى من ذي قبل”.

تحديات للدولار

بنهاية شهر سبتمبر العام الماضي، نشر مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك، ورقة عن الدولار كعملة عالمية استعرضت تاريخ صعود الدولار إلى مكانته الحالية في العالم وفوائد وتبعات ذلك على الولايات المتحدة. وفي الجزء الخاص بالتحديات التي يمكن أن تجعله يفقد تلك المكانة استعرضت الورقة البدائل الأربعة المطروحة، وهي اليورو واليوان الصيني وحقوق السحب الخاصة التي استحدثت لدى صندوق النقد الدولي والعملات المشفرة.

بالنسبة إلى اليورو، فهو ثاني عملة احتياطيات لدى دول العالم بعد الدولار ويمثل نحو 20 في المئة من احتياطيات تلك الدول من النقد الأجنبي. زمن عوامل قوة اليورو أن الاتحاد الأوروبي ككتلة اقتصادية يعد منافساً للولايات المتحدة وحجم صادراته ككل أكبر من صادرات أميركا ولديه بنك مركزي أوروبي قوي وأسواق مالية متطورة.

لكن عدم وجود وزارة مالية أوروبية موحدة، أو خزينة أوروبية، وعدم وجود سوق سندات موحدة للاتحاد الأوروبي يجعل اليورو أقل جاذبية كعملة احتياط دولية.

أما رينمينبي (اليوان الصيني) فتحاول الصين منذ سنوات جعله عملة احتياط دولية، لكنه حتى الآن لا يمثل سوى 2 في المئة من احتياطيات النقد الأجنبي لدى دول العالم، لأن القيود التي تفرضها الصين على حركة الأموال في اقتصادها تعيق محاولاتها لجعل اليوان عملة احتياط دولية.

بدأت فكرة حقوق السحب الدولية باقتراح الاقتصادي البريطاني جون ماينارد كينز في محادثات بريتون وودز بابتكار عملة دولية، سميت بانكور، يصدرها بنك مركزي عالمي. ولم تتحقق فكرة كينز، لكن في السنوات الأخيرة تطور اعتبار حقوق السحب الخاصة، وهي عملة داخلية لصندوق النقد الدولي تستند في تقييمها إلى خمس عملات هي الدولار واليورو والجنيه الإسترليني واليوان والين، كعملة قابلة للتحويل إلى احتياطي نقدي. لكن حقوق السحب ليست عملة حقيقية، كما أن استخدامها من قبل صندوق النقد الدولي يخضع لحقوق تصويت أعضائه حيث للولايات المتحدة حق الفيتو الأقوى.

تبقى العملات المشفرة، التي يرى كثير من الاقتصاديين أنها لا تصلح عملة احتياطيات دولية لاعتبارات كثيرة، منها أن المطروح منها الآن ليست عملة، وليس هناك أي تنظيم لإصدارها أو إشراف على تداولها. وحتى العملات الوطنية المشفرة، مثل اليوان الرقمي أو اليورو الرقمي ستكون في النهاية مثل العملة الوطنية، ولكن في شكل رقمي فقط فتنطبق عليها الظروف نفسها التي تحكم وضع العملة الوطنية للصين أو الاتحاد الأوروبي.

توقعات لهيمنة الدولار

يظل الدولار، على الرغم من كل هذا التململ العالمي ومحاولات إيجاد بدائل، العملة الرئيسة المهيمنة في العالم. إذ يمثل أكثر من ثلثي الاحتياطي النقدي لدى البنوك المركزية حول العالم، يليه اليورو ثم الين الياباني ثم الجنيه الإسترليني، ويأتي اليوان الصيني في ذيل القائمة. كما يمثل الدين المقوم بالدولار نحو نصف الدين العالمي ونحو 40 في المئة من المعاملات عبر سويفت تتم بالدولار.

لم يكن هناك ما يدعو لبحث العالم عن بدائل لهيمنة الدولار ومحاولة الابتعاد عنه، وتقويض مكانته العالمية، ما لم تتوسع واشنطن في استخدام سلاح العقوبات الاقتصادية في السنوات الأخيرة. فمنذ 2001 حتى 2015 كان متوسط العقوبات الأميركية يسير في خط مستقيم تقريباً، لكن منذ 2016 حتى الآن تضاعف عدد تلك العقوبات ثلاث مرات.

وبانتظار ما ستفعله إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن في هذا الصدد، يبقى حلفاء الولايات المتحدة التقليديين في حال عدم يقين بشأن هيمنة الدولار، ويستمرون في بحث بدائل لنظم المدفوعات والتحويل والحسم والتسوية لا تضر بمصالحهم. فمن غير الواضح بعد إذا كانت إدارة بايدن ستعمل في الاقتصاد والمال بالنهج نفسه التي تعلن أنها ستعمل به في السياسة. وتحديداً استعادة واشنطن لحلفائها الذين أبعدتهم في فترة الرئاسة السابقة. كما أنه من غير الواضح أكثر إن كانت الإدارة الجديدة ستستمر

إندبندنت


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


خالد عثمان

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.