لماذا تحتاج البيوت العربية إلى خدم وسائقين؟

لم يستطع مرور الزمن أن يلغي ذهنية أسهمت في ترسيخ مفهوم العمالة المنزلية في البيوت العربية خلال السنوات الماضية، بغض النظر عن مقدار الحاجة لها أو حتى المقدرة المالية لصاحب العمل.

هذا التنامي الكبير لاستخدام العمالة في مختلف المهمات المنزلية، لم يترافق مع تنام بذات المقدار للأطر القانونية والتشريعات التي تنظم السوق المختفي خلف الأبواب المغلقة والجدران الأكثر خصوصية.
ويثير الحديث عن تطور ذلك القطاع في الظل، تساؤلات حول البدايات التي أسست لفكرة العمالة المنزلية في العالم العربي، بشكل يفوق ما هو في مجتمعات أخرى قد تفوقها في الاقتدار المالي، حتى غدت المساعِدات والخدم والسائقين جزءاً من تركيبة بعض البيوت العربية بغض النظر لأي طبقة تنتمي.
سبب الظاهرة

لفهم هذه الحالة يتوجب وضعها في إطارها التاريخي، ففي لبنان على سبيل المثال، الذي لم تؤثر مختلف الظروف فيه على حاجته للعمالة المنزلية، فيملك تاريخاً طويلاً مع الاستعانة بالمساعِدات في المنازل. إذ عرف لبنان العمالة المنزلية تاريخياً لكن بمواصفات مختلفة، فكانت موجودة لكن على نطاق ضيق محصور بأقلية الوجهاء والأغنياء، الذين كانوا يستعينون بعاملة صغيرة السن لا يتخطى عمرها 12 سنة، تؤدي الخدمة المنزلية فيما يؤمنون لها المأوى والمأكل، وبعد أن تبلغ سناً أكثر نضجاً يزوجونها لشخص من اختيارهم.
وأسهمت محدودية حضور المرأة في المشهد العام في تلك الحقبة باستمرار تضييق حضورها كعاملة منزلية، لكن مع تطور دورها في المجتمع ومشاركتها الواسعة في الحياة الاجتماعية وسوق العمل، توسع نطاق وجودها كعاملة منزلية أيضاً.
من جهة أخرى، أدى هذا الحضور المكثف للمساعِدات في البيوت اللبنانية إلى تنامي الاستعراض و”التشاوف”، حتى في حال عدم الحاجة إلى وجودها، بخاصة أن كلفة اليد العاملة كانت منخفضة قبل الأزمة الاقتصادية التي تعصف منذ أكثر من سنة بالبلاد.

أما في مصر فتحضر العاملات المنزليات بكثرة، إذ تختص العاملات المصريات بالعمل بأجر يومي، في حين تعمل الأجنبيات المقيمات غالباً لقاء أجر شهري ويقمن لدى الأسر. وقد يتطلب عملهن مرافقة الأسرة في السفر أو الخروج إلى مكان ما.
وفي الخليج الذي يستقدم العمالة بكثرة وتحضر في مختلف المجالات، إلى درجة أن الأرقام الرسمية التي تنشرها هيئة الإحصاء السعودية، تشير إلى ارتفاع أعداد المستقدمات على تأشيرة سائقة بعد السماح بقيادة المرأة، بالإضافة إلى وجود 14 حارسة منزلية، وأخرى تعمل تحت مسمى مزارعة، فلا غرابة في حضور الخدم والسائقين في منازلها بهذه الكثافة.
عبء اقتصادي أم حاجة؟

وفي دول الخليج ذات الملاءة الاقتصادية الأكبر، أشارت إحصائية نشرتها الهيئة العامة للإحصاء في السعودية مطلع عام 2020، إلى أن عدد العمالة في الدولة الخليجية الكبيرة بلغ 3.225.785 بين سائقين وخادمات.

وتشكل الخادمات من إجمالي هذا الرقم المليوني قرابة الـ44 في المئة، فيما يشكل السائقون ما نسبته 53 في المئة. إذ يبدو أن التغييرات الأخيرة التي رُفع بموجبها الحظر على قيادة المرأة للسيارة أسهمت في تقليل الاعتماد على السائقين، بل فتحت المجال لاستقدام سائقات، إذ يوجد في السعودية 494 سائقة سيارة، بحسب الهيئة.
اقرأ المزيد

عاملات بيوت عالقات مع أرباب عمل أغنياء يستهترون بتدابير الحجر الصحي

عاملات في قطاع الصحة البريطاني يعانين من الإجهاد في أزمة كورونا

“الشغّالات وأنا” قصص مريرة ومضحكة تقدم واقع النساء العاملات
وفي حين ينظر الاقتصاديون إلى هذه الأرقام على أنها عبء اقتصادي يسهم في تسرب رأس المال، يرفض الأخصائيون الاجتماعيون النظر إليهم بشكل رقمي، إذ قال الأخصائي الاجتماعي السعودي محمد الحمزة، إن “وجودهم في دول الاغتراب مرتبط بنقطتين رئيستين، الأولى هي حاجتهم إلى العمل، والثانية هي حاجة الدول إليهم”. وأضاف “فلو لم يكن هناك احتياج إليهم، لَما سمحت لهم الدول بالقدوم إليها منذ البداية، لذا لا بد من أن يُنظر إليهم كقوة عاملة مساعِدة في التنمية، لا كمنافسين في سوق العمل. بناءً على ذلك، تتحدد طريقة التعامل معهم”.

هذا من الناحية الاجتماعية والإنسانية، أما من الناحية القانونية فترى المسؤولة الإدارية في قسم مناهضة الاتجار بالبشر في منظمة “كفى” اللبنانية، المحامية موهانا إسحق، أن “العمالة المنزلية مستثناة من قانون العمل الذي وضِع في الثلاثينيات”، ولم يكن هناك أي إطار قانوني يحدد حقوق وواجبات كل من الطرفين المعنيين في بلدها.
وإضافة إلى وضع عقد عمل موحد للعاملات في المنازل، بحسب إسحق، يوقع لدى كاتب العدل يتضمن الحقوق والواجبات، لكنه بقي قليل الفاعلية ولا يحاسب أي طرف في حال الإخلال ببنوده، ما ساعد على استغلال البعض للعاملات.
وعلى الرغم من أن دولاً عدة حظرت سفر رعاياها للعمل في المنازل في لبنان، استمر وصول العاملات المنزليات بطريقة غير قانونية إلى البلاد، أي بالسفر إلى بلاد أخرى مجاورة ومن ثم إلى لبنان.

واستطاعت مكاتب استقدام العاملات المنزليات التحايل بهذه الطريقة لإحضارهن والاستفادة، وإن كان يترتب عن ذلك تكاليف كبرى على صاحب العمل. وفي النهاية، كانت النتيجة أن العاملات أصبحن أكثر عرضة للاستغلال فيما أظهرت سفاراتهن تهاوناً أحياناً بحق من تتعرض لذلك لقدومها بطريقة غير قانونية. علماً أن النسبة الكبرى من العاملات اللواتي حضرن إلى لبنان كنّ من الجنسية الإثيوبية طوال السنوات الماضية، إضافةً إلى اللواتي من الفيليبين والنيبال وسريلانكا ودول أفريقية عدة مثل غانا.

الأجور

أما الأجور فتتراوح بين 150 دولاراً كحد أدنى إلى 200 دولار، وصولاً إلى 400 دولار للعاملات (من جنسية معينة)، على أن تعطى للعاملة زيادة على الأجر بحسب سنوات الخبرة. لكن في المرحلة الحالية، ازداد معدل التشدد وبات الحد الأدنى لأجر للعاملة القادمة حديثاً 200 دولار، ما يزيد من الضغوط على اللبنانيين والصعوبات لاستقدام عاملات من الخارج، غير اللواتي هنّ موجودات أصلاً في البلاد.

وقد أسهمت هذه العوامل مجتمعة إضافة إلى انتشار الوباء، إلى تراجع ملحوظ في معدل العاملات المنزلية القادمات إلى البلاد بعد أن كان عددهن يصل إلى 250 ألف عاملة سنوياً.

وتشير التقديرات إلى تراجع قد يصل إلى 85 في المئة، وإن لم تصدر حتى الآن أرقام رسمية عن وزارة العمل أو عن الأمن العام حول الارقام الفعلية للعاملات اللواتي دخلن حديثاً في العام السابق.

أمام كل هذه التحديات، تزداد الضغوط على العاملة وأيضاً على أصحاب العمل لتراجع قدرتهم على تسديد أجور العاملات. فباتت تتراكم أشهر عدة بسبب الارتفاع الكبير في سعر صرف الدولار.

فيما تتعرض أخيراً العاملة إلى المزيد من التعنيف وتبدو المطالبة بمستحقاتها السبب الرئيسي لهذا العنف، ما يفسّر زيادة معدلات العنف الجسدي الذي لا تظهر آثاره أحياناً كالصفعة والضرب الذي لا يظهر له أثر، فلا تتحرك النيابة العامة لاعتبار أن التوصيف القانوني للعنف يربطه بتعطيل من العمل لحوالى 10 أيام حتى يتحرّك الحق العام. وإذا لم يحصل ذلك، قد تهمل الحالة وتبقى العاملة عرضة للاستغلال وتُمنع من العودة حتى إلى بلادها، فالمسألة ترتبط هنا بأخلاقيات أصحاب العمل.

محاولة إصلاح سوق العمالة

لا توجد أنظمة فعالة على الرغم من محاولات سن قوانين تحمي حقوقها في الدول العربية، ففي السعودية سعت وزارة الموارد البشرية إلى إعطاء صبغة تعاقدية صارمة على شكل العمل، وتحديد ساعات عمل يومية وإجازات أسبوعية ومهمات محددة تعاقدياً، لكن لا يبدو أن مراقبة تطبيق ذلك أمر ممكن، على الرغم من تعهد الوزارة بفعل ذلك، إذ يبقى الرهان على صاحب العمل ومدى رغبته في التطبيق.

أما في مصر، فكانت أول محاولة جادة في عام 2012، عندما أسست 300 عاملة منزلية أول نقابة مستقلة لمهنتهن، إلا أنها فشلت لاحتياجها إلى جهود تنظيمية وتمويلية كبيرة لم تتوافر للمبادِرات، تلتها محاولة في عام 2018، إذ تقدمت نائبة في البرلمان المصري بقانون إلى اللجان النوعية لتقنين عمالة الأطفال وتوفير مظلة من التأمين الصحي والاجتماعي لمواجهة المخاطر التي تتعرض لها العاملات أثناء العمل، إلا أنه تعطل مرة أخرى.
أما المشهد القانوني في لبنان فله وجه آخر، فبحسب موهانا إسحق، فقد تشكلت منذ نحو سنة ونصف السنة “لجنة مع جهات دولية لتصبح العاملة المنزلية مثلها مثل أي عامل آخر يطبق عليه قانون العمل، ولوضع إطار معين يحدد ساعات عمل وسبل فسخ العقد وحفظ حق الكفيل أيضاً في حال وقف العمل، لكن أصحاب مكاتب استقدام العاملات اعترضوا لاعتباره يمس مصالحهم”، خصوصاً أن التعاطي يصبح في هذه الحالة خارج إطار المكاتب بشكل أساسي. لذلك طلب أصحاب المكاتب من الدولة اللبنانية تعليق تنفيذ قرار وزارة العمل المتعلق بتنظيم العمالة المنزلية إلى حين البت في النقاط الأساسية”، وهو مازال معلقاً حتى الساعة.
كورونا بعثر القطاع

أمل هي واحدة من عاملات المنازل في مصر المتضررات من الوضع الحالي في العام الأخير، وتقول “أعمل في هذا المجال منذ أكثر من 10 سنوات وهو عمل شاق ومرهق، لكن منذ قرابة عام مع اشتداد فيروس كورونا استغنى كثير من الناس الذين كنت أتردد عليهم عن خدماتي لخوفهم من الاختلاط وشكل ذلك أزمةً مادية كبيرة لي”. وتعيش أمل اليوم على ما يعطيه لها أرباب عملها السابقون كتعويض عن صعوبة المرحلة. وتتنوع أسباب حاجة الأسر المصرية إلى العمالة المنزلية على اختلاف أشكالها، إلا أن الأساسية منها غالباً ما تنحصر في القيام بمهمات المنزل المعتادة مثل التنظيف والطهي أو رعاية الأطفال أو المسنين، بينما يعمد بعض الأسر إلى توظيف سائق خاص، في حال وجود أطفال أو أشخاص لا يستطيعون القيادة.

اختلاف الجنسيات وتفاوت الأجور

تختلف جنسيات عاملات المنازل، ما بين المصريات والأجنبيات، وإن كانت غالبيتهن من دول أفريقيا، أو جنوب شرقي آسيا، إذ تفضل بعض العائلات أحياناً الأخيرة، كشكل من أشكال التميز والوجاهة الاجتماعية إضافة إلى المهمات التي ستقوم بها.

وتتفاوت الأجور التي تحصل عليها عاملات المنازل، ففي المتوسط تحصل المصريات على أجر يومي يتراوح بين 200 (حوالى 13 دولاراً) و400 جنيه مصري (حوالى 25 دولاراً)، بحسب حجم المنزل وعدد غرفه، أما في حال تعاملها مع العائلة بنظام شهري، فيتراوح دخلها بين 2500 إلى 4000 جنيه (155 – 250 دولاراً)، ويحدد ذلك عدد ساعات العمل والمهمات ومستوى تعليم العاملة.

وبالنسبة إلى الأجنبيات تتفاوت الرواتب، فالفيليبينيات والإندونيسيات هن الأعلى أجراً في مصر، حيث يصل راتبهن إلى 600 دولار شهرياً (حوالى 10000 جنيه)، بينما يصل راتب الأفريقيات من دول مثل نيجيريا وإثيوبيا إلى 300 دولار شهرياً (حوالى 5000 جنيه مصري).

عنف ومشكلات

في ظل غياب أي مظلة تعمل في إطارها هذه الفئة وعدم وجود شكل تعاقدي للعلاقة بين الطرفين، تظهر مشكلات عدة، في مقدمتها معاناة بعض العاملات من سوء المعاملة أو العنف والانتهاك الجسدي.

وبين حين وآخر، تظهر بعض القضايا والحوادث المتعلقة بتعرّض إحدى العاملات في المنازل لشكل من أشكال العنف أو الانتهاك، وفي بعض الأحيان يتحوّل الأمر إلى قضية ويتم معاقبة الطرف المدان. بالتوازي مع مثل هذه الأحداث، تثار قضية المطالبة بتقنين أوضاعهن ووضع ضوابط للعلاقة بين مقدم الخدمة والحاصل عليها، ليسفر الأمر عن لا شيء حتى الآن.

واقع اقتصادي متأزم

فرض الواقع الاقتصادي المتأزم التغيير على نطاق واسع. سواء كانت الحاجة تدعو إلى الاستعانة بالعاملة المنزلية أو كانت المسألة تقتصر على الميل إلى “التشاوف”، ويجد اللبنانيون أنفسهم ملزَمين قسراً التأقلم مع هذا الواقع الجديد بأفضل ما يمكن. ويبدو واضحاً أن عملية التأقلم قد بدأت بأشكال عدة. فمع ظروف الحجر، باتت الأدوار في الأعمال المنزلية توزع على كل أفراد العائلة.
وتبدو المشكلة للوهلة الأولى، فشلاً في تقاسم الأدوار داخل المنزل، في ظل وجود قوالب للمهمات لا تواكب المتغيرات التي صارت تدفع بالمرأة للعمل أكثر خارج المنزل، بعيداً عن المهمات المنزلية، بالإضافة إلى كثرة الالتزامات الاجتماعية والمناسبات المنزلية التي تتطلب جهداً عالياً من التحضير، حتى بات صعباً إدارة كل هذه المهمات إلا من شخص متفرغ.
لكن في السنوات الـ10 الأخيرة في لبنان، بدأنا نشهد تغييراً في الذهنية وأصبحت الأدوار تتوزع في المنزل ويشارك الرجل زوجته في الأعمال المنزلية، ما أسهم في الحد من المسؤوليات الملقاة على عاتقها، فيما كانت سابقاً تحتاج إلى العاملة لتساعدها لأنها وحدها تقوم بالأعمال المنزلية، لكن بقيت “موضة” العمالة المنزلية منتشرة بشكل واسع.
وحتى مع وجود تنظيم مقنن لها، عن طريق مكاتب توفير العمالة وتحديد مهماتها بأدوار ضيقة ومحدودة التكاليف، إلا أنها تُعد خياراً أقل كفاءة من الناحية المالية، إذ تحصل على عائد مالي أقل بسبب حصول المكتب على نسبة من الأجر. ولا تحصل العاملات المنزليات على أي ميزة مثل التأمين الاجتماعي أو الصحي.
أما في السعودية فالمشكلة لم تتغير بعد كورونا أو قبله، بالنسبة إلى الدول التي تملك عمالة فيها من 17 جنسية، تتمثل في الفلبين، والنيجر، والهند، وباكستان، وبنجلاديش، وسريلانكا، وفيتنام، وموريتانيا، وأوغندا، وأرتيريا، ومدغشقر، وأذربيجان، وأزباكستان، وكمبوديا، وبورندي، ومالي، وكينيا.

إذ انتقدت هيئة حقوق الإنسان السعودية، أوضاع هذه الجنسيات في الدولة الخليجية، التي يعاني بعض العمال فيها بحسب الهيئة من “الإساءات والاستغلال، والتي ترقى أحياناً إلى مرتبة العمل الجبري، ويصادر بعض أرباب العمل جوازات السفر، وحجب الأجور، وإجبار العمالة على العمل ضد إرادتهم”.

ورغم سعي الرياض إلى إصلاح وضع هذه العمالة، عبر إلغاء نظام الكفالة وما يترتب عليه من تطوير آلية الدخول والخروج والتنقل الوظيفي، إلا أن الصورة بخصوص هذه الشريحة مع أصحاب العمل لا تزال غير واضحة

إندبندنت


اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


خالد عثمان

محرر بشبكة سودافاكس الإخبارية ، الشبكة الاولى في متابعة الأحداث والتغطيات

اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.