السودانيون يكرمون الصائمين المسافرين بـ”الإفطار الإجباري”

مع نهاية كل رمضان تتزايد بشكل كبير في السودان عادة قطع الطريق أمام المسافرين مع أنها مستمرة طوال أيام الشهر، لكنها تنشط في آخره نتيجة زيادة عددالمسافرين إلى الأرياف لقضاء عطلة عيد الفطر المبارك، ويتم إغلاق الشوارع تماماً أمام كل المركبات التي تمر بعد (الخامسه مساء)، وينتشر هذا السلوك على الطرق القومية في كل أنحاء السودان، ويتسابق أهل القرى والمدن، ممن يقطنون على جانبي تلك الطرق، إلى احتلال وتوسط الشوارع واعتراض المركبات بأجسادهم، وشد عمائمهم عرضياً، وهم يلوحون للمسافرين بإصرار على التوقف لتناول وجبة إفطار الصائم، على موائدهم الرمضانية السودانية التقليدية البسيطة، التي يشارك فيها كل أهل القرى المتجاورة من أجل إفطار المسافرين الصائمين.

وعلى الرغم من ظروف تداعيات جائحة كورونا، والأوضاع الاقتصادية الضاغطة، وما خلفته من غلاء فاحش في الأسعار وضيق العيش الذي يعانيه أهل السودان، فإنها لم تفلح في هزيمة تقليد الإفطار الجماعي في الشوارع والساحات العامة، السلوك المترسخ الذي خرج من داخل الأحياء، ليصبح أكثر جماعية وتنظيماً على الطرق الداخلية ثم الخارجية الطويلة، طلباً لأجر إفطار صائم، وتعزيزاً لروح وقيم التراحم والتكافل الاجتماعي، التي عرف بها الشعب السوداني، لا سيما عند أهل الريف.

قرى بأكملها على جانبي الطرق

يتجسد المشهد المهيب في خروج كل القرى إلى الشوارع بنسائها وشبابها وأطفالها وشيوخها، قبيل مواعيد الإفطار بنحو ساعة، كأنهم يتنافسون على حشد أكبر عدد من الضيوف، وقد تجمعوا بإفطاراتهم، وبينما تنهمك مجموعات أخرى من المواطنين، بإعداد المكان والمفروشات وصف وتجهيز الموائد وتوزيع الأطباق، وتتكفل أخرى، بخاصة الشباب والصبية بالتجمع وسط الشارع الرئيس وإغلاقه تماماً، لإجبار المركبات على التوقف وإنزال المسافرين واصطحابهم إلى ساحة الإفطار، ثم يظهر كبار السن للترحيب بالضيوف، ويتم اصطحاب النساء والأطفال إلى الجزء المخصص لهن مع رفيقاتهن، هذا في الوقت الذي لا تزال فيه المتاريس البشرية منصوبة لاصطياد مزيد من المسافرين، على امتداد الطرق السفرية، وأشهرها طريق (الخرطوم- مدني) الرابط بين العاصمة الخرطوم وولاية الجزيرة، وطريق شريان الشمال وطريق التحدي، وفي مناطق الشرق والطرق المؤدية إلى مدينة بورتسودان وضواحيها، وهي طرق تمر بمعظم مناطق الريف السوداني الأكثر كثافة سكانية.

اشتباكات حول تبعية الضيوف

كثيراً ما تقع اشتباكات ومناكفات بين التجمعات القروية الموجودة على جانبي الطرق، حول أحقية كل طرف عند الظفر بحافلة كبيرة أو متوسطة أو مركبة خاصة، بلغت في بعض المواقف درجة التقاضي أمام المحاكم.

يقول عبد الله بشير، من سكان منطقة الجديد الثورة التي يشقها الطريق الرئيس من الخرطوم إلى عدة ولايات سودانية، “إن هذه العادة الموروثة لها وقعها الخاص عند سكان المنطقة والقرى المجاورة للطريق القومي، ويتهيأ لها السكان قبل رمضان بإعداد الساحات للإفطار الجماعي للمسافرين على طول جنبات الطريق، وتخرج كل البيوت بإفطاراتها التقليدية، سواء كانوا أغنياء أو فقراء، بعرض الإسهام في إفطار المسافرين، كما أن هذه العادة ليست مقصورة فقط على الأيام الأخيرة من شهر رمضان، لكنها تتزايد بشكل كبير فيها، نسبة لزيادة معدلات سفر المواطنين في هذه الأيام، بغرض تمضية عيد الفطر مع أهاليهم في القرى والأرياف في الولايات”.

مضايقات وتذمر

كثير ممن يتم إجبارهم على التوقف، سواء كانوا على مركبة خاصة أو حافلة، يبدون في البداية قدراً من التذمر والغضب من هذا السلوك، بل ويعتبرونه ضرباً من التأخير والتعسف، لكنهم سرعان ما يندمجون بأريحية مع الأهالي ويتفهمون الوضع، ويتناولون القهوة والشاي، ويتبادلون عبارات الشكر، ويتم توديع المسافرين بالدعوات والتهاني المسبقة بعيد الفطر المبارك.

يصف عصام إسماعيل، أحد من تعرضوا لما سماه بتجربة “القرصنة الرمضانية”، بأنها كانت مزعجة في بدايتها، لكنها انتهت بشكل حميم ومشوق، فقد كان مسافراً مع ثلاثة من أصدقائه للحاق بموعد للإفطار في إحدى المناطق التي تقع على الطريق السريع جنوب العاصمة الخرطوم، لكنهم تفاجأوا قبل الإفطار بحوالى أقل من ساعة بقطع الطريق أمامهم وإيقافهم عنوة، من قبل مجموعات كبيرة من السكان، على الرغم من أنهم أوشكوا على الوصول إلى وجهتهم القريبة في مدينة أبوعشر، ولم يجدوا مناصاً من الإذعان والنزول للإفطار، ثم مواصلة سفرهم من جديد، بعد أن تغلبت عليهم تلك العادة بقسم مغلظ من الأهالي.

الإكرام الإجباري

يعتبر الناشط الاجتماعي محمد إبراهيم البشري من مواطني منطقة المسيد على الطريق الرابط بين ولايتي الخرطوم والجزيرة، عادة قطع الطريق أمام المسافرين الصائمين في رمضان، من أصول الكرم السوداني المميز الذي يتجلى أكثر خلال شهر الصوم، إذ يخرج سكان كل القرى السودانية والأحياء الطرفية في المدن، بموائدهم إلى الشوارع، ويسوق الناشط الاجتماعي الإفطار الجماعي في اعتصام ثورة ديسمبر (كانون الأول) المجيدة، أما القيادة العامة بأنه كان مشهداً مهيباً استلهم هذا الموروث وجسد الروح السودانية المجبولة على التعاضد والتراحم ووحدة الصف والوجدان.

يشير البشري، إلى أن قطع الطريق عادة وتقليد، يعززان كثيراً من القيم السودانية في إكرام الضيوف والاحتفاء بهم، كما أنها تغرس في الوقت ذاته، روح التآخي والتآلف بين الأهل والجيران وهم يتشاركون طعامهم ويخرجون به إلى الشوارع، فضلاً عن كونها تجسد معاني رائعة في المساواة والبساطة والعفوية بين المواطنين أنفسهم، من دون تكلف، وعلى الطريقة السودانية في (الجود بالموجود)، إذ يخرج كل مواطن بما عنده من إفطار دون تكليف يزيد على طاقته، بخاصة وقد جرى العرف على ألا يظهر أى تمييز في الموائد بين الأغنياء والفقراء، ما جعل كل الموائد تتشابه فى المحتوى التقليدي، إضافة إلى أن مشاركة الصغار بحماس في هذا العمل، تؤكد ضمان استمرار تمرير توارث هذه العادة من الآباء والأجداد، إلى أجيال أخرى جديدة.

مائدة تقليدية وسلوك متوارث

ويُعد تقليد إفطار رمضان في الشوارع سلوكاً تاريخياً، توارثه أهل السودان، بخاصة في المناطق القروية والريفية، منذ أوقات بعيدة مضت، إذ يتجمع كل أهل حي في أقرب ساحة مجاورة، ويقوم الصبية بتجهيزها ونظافتها وإعدادها قبل شهر رمضان بأيام، يفرشونها بالبروش والحصير (مفارش من سعف النخيل)، استعداداً للإفطارات الجماعية المعهودة التي تتجمع فيها كل موائد أهل القرية أو الحى، وفق الاستطاعة والمقدرة، وقلما تجد من يفطر داخل منزله حتى في بعض أحياء المدن.

وظلت المائدة الرمضانية السودانية راسخة على حالها الموروث من حيث مكوناتها التقليدية ذات الطابع القروي المتشابه في كل أنحاء البلاد، من دون تغيير كبير منذ زمن بعيد، وتضم أطباقاً من عصيدة الذرة الرفيعة أو الدخن، أو قراصة (أقراص) القمح، مع ملاح التقلية والبليلة، والبلح (التمر) وبليلة العدس الأحمر أو الكبكبيك، إلى جانب مشروبات أهمها الابري الأحمر (الحلو مر)، الذي يستمد اسمه من مذاقه الخليط بين الحلاوة والمرارة، وهو مشروب سوداني حصري خالص لا مثيل له في العالم، يجري تجهيزه قبل رمضان بوصفات خاصة من الذرة الرفيعة المعالجة بكثير من البهار كالقرفة والزنجبيل، ومعه عصائر التبلدي والكركدي المحليين

إندبندنت

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.