الحكومة السودانية بين محاكمة النظام السابق وحل الأزمات

تركز الحكومة الانتقالية في السودان على تسوية قضايا رئيسة منذ عام 2019، وهي محاكمات المسؤولين في الحكومة السابقة، وعلى رأسهم الرئيس السابق عمر البشير، في قضية انقلاب الثلاثين من يونيو (حزيران) 1989 على فترة حكم “الديمقراطية الثالثة” وتقويض النظام الدستوري. كما تعمل “لجنة إزالة التمكين” على تسوية عمليات الفساد في أجهزة الدولة التي لا تزال آثارها راسخة في المؤسسات السودانية، وصولاً إلى محاكمة الخلية الأمنية التي اتُهمت بالتخطيط لهجمات إرهابية بقيادة رئيس جهاز الأمن والمخابرات السابق صلاح قوش، المُلاحق من قبل الإنتربول. وأُحيلت هذه القضية إلى محكمة الإرهاب. وجاءت ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، بأهداف من ضمنها هذه المحاسبة، إلى أن أطاحت حكم البشير وأجبرت قادة الجيش على عزله في أبريل (نيسان) 2019، وكانت الأجواء مشحونة بالتوتر السياسي والأزمات الاقتصادية. أما الآليات التي تسعى إلى تحقيق أهداف الثورة فتشوبها ملاحظات عدة، ما يلقي عبئاً كبيراً على الحكومة الانتقالية في مدى نجاحها في تسوية هذه القضايا قبل انتهاء فترتها لإقامة الدولة المدنية، وكيفية الفصل بين المعارك السياسية والقانونية.

محاسبة النظام

لم تمض محاكمة البشير بذات الزخم الذي بدأت به، إذ يخضع هو ونائباه السابقان علي عثمان محمد طه، وبكري حسن صالح، وبعض قيادات النظام السابق لجلسات إضافية، في ما يُعرف بقضية “انقلاب 30 يونيو”. وتشمل التهم “تدبير وتنفيذ انقلاب عسكري، والاستيلاء على الحكم بالقوة، وتقويض النظام الدستوري القائم في يونيو (حزيران) 1989”. ويحاكَم البشير في قضايا أخرى تشمل الفساد، وقتل متظاهرين خلال ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018. وفي 14 ديسمبر 2019، صدر حُكم على البشير بالإيداع سنتين في مؤسسة إصلاح اجتماعي مع مصادرة الأموال التي حصل عليها في قضية الفساد والتربح غير المشروع. وكانت عقوبة هذه التهمة بحسب القانون السوداني هي السجن لـ10 سنوات، لكن الحكم خُفف لتجاوز البشير عمر السبعين سنة.

وأعلنت الحكومة الانتقالية، ومن ضمنها مؤسساتها مثل لجنة إزالة التمكين، عن محاسبة رموز ومؤسسات النظام السابق، كهدف مُعلَن وأساسي ومتعارف عليه ضمن تحقيق أهداف الثورة. ولكن في الضفة الأخرى ثمة من يرى أن ما تقوم به الحكومة وخصوصاً لجنة إزالة التمكين هو تصفية حسابات سياسية، وأنها عالقة في حرب أكثر من كونها تحقيقاً للعدالة. وبين هذين الرأيين اللذين يوجد لكل منهما مناصروه، فإن الطبيعة الشعبية المشحونة ضد ما قام به النظام السابق من تجاوزات وتضييق على الشعب، يجعلها تتماهى مع آليات الحكومة حتى يضمن الشعب عدم عودة النظام السابق. ولكن من ناحية أخرى، لا سبيل للمساءلة الشعبية للحكومة، إنجازاً أو قصوراً في ظل غياب المجلس التشريعي، إذ تظل آراء الرأي العام إيجاباً أو سلباً هي حبيسة الفضاء الإلكتروني ووسائل التواصل الاجتماعي، ولا ضامن لوصولها إلى مراكز صنع القرار.

جهاز مواز

وانحصرت جبهات المنافسة بين أعضاء النظام السابق في تيارين، هما تيار الإسلاميين، وتيار آخر لم يُحسب صراحة داخل التنظيم الإسلامي، لكنه كان في خدمته طوال الثلاثين عاماً، مدة حكم البشير، وكان يمثله عسكريون ورجال أمن. من بين هؤلاء كان الفريق صلاح قوش مدير جهاز الأمن السابق الذي اتسمت فترة خدمته في الجهاز بمد وجزر، إذ سجنه البشير إثر محاولته الانقلابية عليه عام 2012، وعندما أصدر البشير عفواً عنه في عام 2013، عُلقت عليه آمال كثيرة بأن يكرر المحاولة. وبعد خروجه، اكتسب قوش قوة إضافية من النظام الحاكم وقوة شعبية بفوزه عضواً لدورتين في البرلمان عن الدائرة “5 مروي”، ثم استقال من البرلمان بعد أن أُعيد تعيينه مرة أخرى على رأس جهاز الأمن والمخابرات عام 2018. هذه المسيرة ما بين الولاء والجفاء مع النظام السابق، جعلت حكومة ما بعد الثورة تتعاطى مع أمره بشيء من الحيرة. ولم تتحرك الجهات المختصة مباشرة في توجيه الاتهام له بعد الثورة، إلا في 6 مايو (أيار) 2019، عندما أعلنت عن ضلوعه في قضية خلية إرهابية بحوزتها كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر وخرائط لمراكز حيوية من بينها وزارة الدفاع، داخل منزل قريب من القيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الدفاع، وهي الفترة التي كان السودانيون خلالها معتصمون في ميدان القيادة العامة. ووُجهت تهم إلى قوش ووزير المعادن السابق كمال عبد اللطيف بعد توقيف 24 متهماً آخرين، بتهم جاءت تحت مواد “تتعلق بتقويض النظام الدستوري، ومعارضة السلطة بالعنف ومخالفة قانون القوات المسلحة وإدارة المنظمات الإرهابية وقانون الأسلحة والذخائر وعدد من المواد الأخرى”. وجاءت صيغة الاتهام هذه موجهة تحديداً إلى الأمن الشعبي، أو “كتائب الظل” وهو جهاز تابع للإسلاميين، مواز لجهاز الأمن، تحدث عنه صراحةً النائب الأول للبشير، علي عثمان طه، في لقاء تلفزيوني في بدايات الثورة. وقال طه حينها، إن لدى النظام كتائب سينزلها إلى الشارع متى ما دعت الضرورة. ونتيجةً لتغيب قوش عن أولى جلسات البلاغ الأسبوع الماضي، جُددت المطالبة به عبر الإنتربول.

اندماج سياسي

تخشى الحكومة الانتقالية مناقشة بعض القضايا، التي يصعب في ذات الوقت تفاديها أو توجيه دفتها، وهي أولاً أن الشعب الذي وصل إلى مرحلة من المعاناة، أصبحت تتساوى لديه المعاناة في ظل النظام السابق والحالي، وواضح أن الحكومة الانتقالية تنظر إلى هذه المطالب الشعبية وتقترح حلولاً، ولكنها في مناطق ومجالات مختلفة، ما يقود إلى احتمالات الخلط والاختيار بين القضايا في بيئة سياسية معقدة. ثانياً، إن الطريقة التي تروج بها الحكومة الانتقالية للسلام، وضرورة أن يسبق أي نظام ديمقراطي، هي نية سليمة، ولكنها فتحت الباب واسعاً أمام الترضيات السياسية والهروع نحو كسب السلطة. وهو في مجمله نوع من المشاركة السياسية، ولكنها ليست مبنية على انتخاب أو أي شكل ديمقراطي، ما من شأنه أن يخيب آمال الشعب في الوصول إلى نظام ديمقراطي. فبينما تعكس رؤى الحكومة طموحات الشعب الذي يسعى إلى نظام ديمقراطي، لكنها مكبلة بالقيود. ثالثاً، ليس هناك مقاربة واضحة للحكومة تسمح بتفادي المفاضلات بين أهدافها وأهداف الجماهير لدرجة أن الأحزاب السياسية أصبحت هي من تنادي بأهداف الشعب، وتزعم أن أداء الحكومة يعتريه كثير من القصور، وعلى رأسه عدم الجدية في محاكمة رموز النظام السابق.
ونجد هنا أن الحكومة تسعى مع شركائها لتعزيز الاندماج السياسي، إلا أن هذه السياسة تواجه مشكلات عملية وعوائق محتملة كثيرة. ويعود ذلك جزئياً، إلى واقع أن هذه الرؤية تعمل على محو آثار النظام السابق، غير أنه من غير الواضح ما إذا كان مكون الرؤية هذا، أي فرض قيود شديدة باسم إزالة تمكين النظام السابق وفق أهداف الثورة، وهو ما جاءت به الوثيقة الدستورية، سيكون متوافقاً مع الدستور الدائم للبلاد في حال كُوّن المجلس التشريعي أم لا.

آلية توافقية

اقتربت ثورة ديسمبر من ذكراها السنوية الثالثة، ومع أهمية إعادة هيكلة المؤسسات وبناء الدولة من جديد على غير الشكل الذي أرادته الحكومة السابقة التي جلبت بفضل تصوراتها الأيديولوجية العقوبات الدولية على السودان، فإن التضحيات التي بذلها الشعب في تلك الثورة وما قبلها من انتفاضات خلال النظام، وما جناه من قتل واعتقالات وتنكيل، لا تتوافق مع مكتسبات الثورة التي طولبت الحكومة الانتقالية بالمحافظة عليها. كما يبدو أن وضع بناء الدولة مقابل تطلعات الشعب الآنية بحل الأزمة الاقتصادية، هو تفضيل في غير محله، إذا لا يمكن أن يتحول المطلب الأساسي الذي أنهى ثلاثة عقود من الحكم إلى مجرد خيار تتسع المسافة بينه وبين بناء الدولة. ولا خلاف حقيقياً، فمَن يعلون صوت تلبية المطالب المعيشية لا يعترضون على العمل المؤسساتي، ولكنهم يشكون من التراجع والإحباط والخسارة.
في الظاهر تبدو محاسبة رموز النظام السابق مطلباً جماهيرياً وحيداً وعلى رأس كل المطالب، ولعل هذا المبدأ المنهجي في المحاسبة، هو الذي يشكل مناط التحفظ على بعض الآليات، فمن دون أن تتوقف محاكمات رموز النظام السابق، يمكن أن تمضي الحكومة قدماً في حل القضايا الأخرى، وعلى رأسها الأزمة الاقتصادية، وقيام المجلس التشريعي وإشاعة السلام في دارفور والنيل الأزرق وجنوب كردفان وشرق السودان. وضمن المشهد السياسي الحالي ربما يظل وضع محاكمات رموز النظام السابق أولوية، وقبل كل شيء، وربما تستمر هذه المحاكمات لسنوات أخرى لأنها لا تسقط بالتقادم، فإن لم تعمل الحكومة على كل الأهداف في وقت واحد قد يقوض ذلك في النهاية الجهود للتقدم نحو نظام ديمقراطي. وإن سار كل شيء كما هو متوقع، فمن السهل على الحكومة التوصل إلى آلية توافقية تتمثل في كيفية الانتقال السلس والمرن، ما بين حل الأزمات واستمرار المحاكمات، دون أن توقف أي منهما الأخرى.

اندبندنت

اضغط هنا للإنضمام لمجموعة الواتسب

اضغط هنا لبقية مجموعات الواتسب


اترك رد وناقش الاخرين

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.