ما بين الإنقاذ ومرض السكري .. وأزمة الغاز والتضليل.. والوطني «الباب يفوِّت جمل»

«1»
أثبتت أزمة الغاز التي مازالت تراوح مكانها ان هناك عدداً من المسؤولين يجهلون ادوارهم الحقيقية ويقومون باداء ادوار ليست من مهامهم او مسؤوليتهم.
في بداية هذه الأزمة اطل علينا مسؤولون رسميون واكدوا عدم وجود اية ازمة وان الغاز موجود في كل مكان، بل وهناك فائض يرقد في بورتسودان لعدم وجود مخازن له في المستودعات.
عينة أخرى من المسؤولين خرجوا علينا ايضاً بعدم وجود ازمة، مبررين التكدس بوجود سماسرة وسوء تنظيم للسلعة من جهات الاختصاص.
وهناك مسؤولون اعترفوا بالأزمة ودعوا لحلها دون اي تغبيش للحقائق المعاشة والماثلة لكل المواطنين، والحديث الذي ادلى به النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق اول بكري حسن صالح في وزارة النفط والغاز يصب في هذا الاتجاه.
لكن علينا ان نتساءل لماذا لا يكون المسؤولون صادقين في ما يقولونه للمواطنين.. وهناك كثير من الأزمات التي تقع في البلاد نجد قبل الاعتراف بها من يسوق لها المبررات، فإن كانت دولية فهناك استهداف ومؤامرة، وان كانت محلية فهناك مخربون وعملاء وسماسرة ومتربصون.
إن كان مساعد الرئيس ابراهيم غندور قد اكد انه اشترى انبوبة غاز من السوق السوداء بـ «80» جنيهاً، فهذا يعني ان القيادة في البلاد على علم وادراك بوجود ازمة غاز، فليس هناك مجال لمن فشلوا في ادارة الازمة، وبدأوا في اطلاق التصريحات التخديرية التي تتكشف كل يوم بأنها تصريحات جوفاء الغرض منها مزيد من تضليل القيادة والمواطنين.
«2»
تذكرت بيت الشعر:
قم للمعلم ووفه التبجيلا
كاد المعلم أن يكون رسولا
وانا اطالع بكل اسف الأخبار التي تواترت من جامعة ام درمان الاهلية الاسبوع الماضي، ومؤسف جداً ان يصل مستوى التعليم لدينا إلى ان يرفع الطالب يده على الاستاذ، ويقف امامه متحدياً، وليت الأمر توقف عند هذا الحد، فقد شهدت الجامعة الأهلية بام درمان حدثاً لا اعتقد انه حدث من قبل وربما لن يحدث في المستقبل والله اعلم، فقد قام بعض الطلاب بجامعة الاهلية بطرد السيد مدير الجامعة الى خارج الحرم الجامعي، بل وتوعدوه إن عاد بأنهم سيحرقونه في مكتبه!!
وتبين لي فيما بعد ان هناك تقاطعات سياسية هي التي القت بظلالها على المشهد بين الطلاب ومدير الجامعة، ولكن مهما يكن من مبررات فإن للأستاذ قدسيته وهيبته، فلا يعقل ان تتم اهانة استاذ من قبل طلبته الذين يسعون لاكتساب مزيد من المعرفة من ذلك الأستاذ.
قديماً قيل إذا اردت ان تهدم امة فاجعلها لا تحترم علماءها واساتذتها، واخشى ان نكون قد دخلنا في تلك الدائرة ونحن لا نعلم، وذلك بعد الهجرة الكبيرة لاساتذتنا وعلمائنا.
«3»
قال نائب رئيس المؤتمر الوطني ابراهيم محمود لأعضاء حزبه إن كل من يهم بالخروج من الحزب فليتفضل.
الرسالة التي اراد ابراهيم محمود ارسالها في اعتقادي هي ان المؤتمر الوطني هو الحزب الاقوى في الساحة، صحيح قد يكون المؤتمر الوطني لديه اكبر عضوية حالياً مقارنة بالاحزاب الاخرى، لكن هذه العضوية ليست على قلب رجل واحد، وهذا واقع من خلال الاحتكاك بالمواطنين في الاسواق والمواصلات وصفوف انتظار الغاز، ونجد الكثيرين من المواطنين من منسوبي الوطني لكنهم غير راضين عن اداء الحكومة وغلاء المعيشة وتكاليف العلاج والتعليم وغيره من مستلزمات الحياة، لكن ليس لديهم خيار آخر، لكنهم ان وجدوا غيره فلن يترددوا في المغادرة من الوطني.
ثم ان الحديث عن أن «الباب يفوت جمل» ليس هذا التوقيت المناسب له، لأن الحوار المطروح حالياً الهدف منه الوحدة وليس الفرقة، فحتى لا يهزم الحوار من داخله يجب على الوطني ان يختار لكل حدث حديثاً.
«4»
في كثير من المناسبات نجد المؤتمر الشعبي «يمثل» او يؤدي دور المعارض الشرس للمؤتمر الوطني، ليبعد عنه كل الاتهامات التي ظلت تلاحقه بأنه سعى للوطني حتى تتم وحدة الاسلاميين مرة اخرى. حديث الشعبي بأنه دفع بورقة الحكومة الانتقالية لتفكيك الإنقاذ، يعيد الثقة لكل من اهتز المؤتمر الشعبي في ذهنه، فالمؤتمر الوطني اكد على لسان اكثر من مسؤول انه يرفض حكومة انتقالية، فحينما يأتي المؤتمر الشعبي ويقول انه طرح هذا الأمر فستلتف حوله كثير من القوى السياسية المشاركة في الحوار وغير المشاركة، وتفكيك الانقاذ هذا واحد من الخطوط الحمراء غير المرئية التي يرفضها المؤتمر الوطني، وحينما يتحدث منسوبو الوطني ويؤكدون انهم دخلوا هذا الحوار ليس عن ضعف، فإنهم يريدون ان يؤكدوا للمتحاورين ان تفكيك الانقاذ غير وارد، اما اسقاطها عسكرياً فهذا امر غير وارد، اذن الانقاذ لا تسقط عسكرياً كما حاولت حركات دارفور وقطاع الشمال ومن قبلهم الحركة الشعبية، وبهذا تصبح الانقاذ كما «مرض السكري» فهو مرض صديق يتطلب منك التعايش معه، ويمنعك من تناول «السكريات» رغم حلاوتها.
«5»
تردد ان اجتماعاً للجبهة الثورية عقد باديس ابابا بغرض محاولة احتواء ازمة الجبهة المتعلقة بانتقال الرئاسة الى جبريل ابراهيم رئيس حركة العدل والمساواة، بعد أن تنازل له مني اركو مناوي.
الاجتماع المعني تم ترتيبه من قبل ناشطين ومنظمات مجتمع مدني لديهم مصلحة في ألا تتفرق مكونات الجبهة الثورية.. الاجتماع حضرت له حركات دارفور وتغيب عنه قطاع الشمال رغم وجود مالك عقار وياسر عرمان في الأراضي الإثيوبية.
غياب عقار وعرمان يؤكد انهما لا يسعيان الى حسم امر انتقال الرئاسة، رغم ان حركات دارفور حسمت الأمر ولكنها تنتظر فقط اعتراف قطاع الشمال بجيريل رئيساً.
واعتقد ان هذه الأزمة لن تحل لأن قطاع الشمال يراوغ ويناور ويحاول ان يكسب مساحات ووقت الى حين معرفة اتجاه بوصلة المفاوضات مع الحكومة، بعد أن وصل قطاع الشمال الى قناعة بأن المجتمع الدولي اصبح غير متفاعل مع قضاياهم.
«6»
من أطرف الأخبار التي اطلعت عليها الاسبوع الماضي في صحيفة «المجهر السياسي» ذلك اللص الذي تاب وذهب الى وكيل النيابة ليتحلل، واعترف بكل جرائمه التي ارتكبها من سرقات هواتف وغيرها من منازل اكد أنه يعرفها.
التوبة نسأل الله ان يتقبلها، لكن سرقة الحق الخاص ليست كالحق العام، فالحق العام يمكن للدولة ان تعفو فيه، لكن الحق الخاص يتطلب من أي شخص ان يعفو، فهل سيتحلل ويعفى عنه أم سيحاكم؟

المصدر: الانتباهة

Exit mobile version