رغم التفاؤل الكبير الذي انتظم الأوساط المراقبة للعلاقة المشتركة بين السودان ودولة جنوب السودان مؤخراً، إلا أن شبح التدهور بدأ يتسرب نحو الود الذي سارع رئيسا البلدين رسمه في وقت كانت العلاقة بينهما في قمة درجات العدائية. ولم تمر أكثر من ثلاثة أشهر على الوضع الجديد، حتى تواترت مجدداً نبرة الاتهامات القديمة التي يرمي بها كل طرف الآخر، والتي كثيراً ما تحدث حالة من التوتر والغليان بسبب الاتهامات المتبادلة بين الدولتين. فيما ما زالت تشكل عملية إيواء المجموعات المتمردة بينهما أمراً عظيماً لا يمكن تجاوزه الأمر الذي ألقى بظلال قاتمة على مواطني الدولتين ورسم سيناريوهات غير قابلة الاحتمال في دولة الجنوب، لاعتبارات كثيرة منها إنها ما زالت ناشئة ودولة وليدة، بجانب الضائقة المالية وارتفاع تكاليف المعيشة في السودان، فضلاً عن خسارة خزينة الدولتين لمليارات من الدولارات كانتا ستكسبانها حال استمرتا في تبادل المنافع التجارية واستمرار تدفق المواد البترولية عبر الخط الناقل للبترول السوداني وتصديره عبر ميناء السودان للخارج. ورغم الاتهامات المتبادلة بينهما إلا ان جوبا صعدت اتهاماتها مؤخراً للخرطوم بانتهاك أراضيها وضربها بالطيران الحكومي خاصة مناطق أعالي النيل على الحدود بين البلدين في منطقة الرنك.
اتهامات الخرطوم
ونفت القوات المسلحة، يوم السبت، قصف طائراتها لدفاعات تابعة للجيش الشعبي في ولاية أعالي النيل بجنوب السودان، وأوضحت أن المناطق التي قالت جوبا أن سلاح الجو السوداني قصفها، لا يوجد بها أي وجود للمتمردين السودانيين. بينما قال الجيش الشعبي لجنوب السودان، في وقت سابق، إن طائرة «انتنوف» تابعة لسلاح الجو السوداني قصفت، الخميس، مواقع دفاعية شرقي بلدة الرنك في ولاية أعالي النيل، ما أدى إلى تدمير عدد من الأسلحة وملاجئ لجيش جنوب السودان. وقال المتحدث باسم القوات المسلحة العميد أحمد خليفة الشامي، إن ما أدلى به المتحدث باسم الجيش الجنوبي «محض إدعاءات وافتراءات لذر الرماد في العيون». وأوضح أن ولاية أعالي النيل الجنوبية لا يوجد بها أي وجود لمتمردي الحركة الشعبية ـ قطاع الشمال، كما أن الخلافات الحدودية فيها بـ «جبل المقينص» و«جودة الفخار» لا تشكل خطورة مثل مناطق «تمساحة أو بحيرة أبيض أو فارينق أو 14 ميل أو أبيي». يأتي هذا في وقت تتهم فيه الخرطوم جوبا بدعم وإيواء الحركات المسلحة وكانت تقارير استخباراتية قد سربت مؤخراً تفيد أن جنوب السودان استأنف دعمه للحركة الشعبية ـ قطاع الشمال، التي تقاتل القوات المسلحة في منطقتي جنوب كردفان والنيل الأزرق. وعلى إثر ذلك اتخذ السودان قراراً بمعاملة اللاجئين من جنوب السودان كأجانب، بعد أن هدد بإغلاق الحدود التي تم فتحها قبل أسابيع. وتوقع الشامي أن يكون القصف الذي تحدث عنه الجيش الشعبي بالكاتيوشا أو أسلحة أخرى من قبل متمردي جنوب السودان، وعد الاتهامات محاولة للتغطية على فشل حكومة الجنوب في إدارة أزمتها الداخلية لأنه «لا توجد حقائق تسندها على الأرض». وأفاد الشامي أن الأزمة في جنوب السودان تتفاقم هذه الأيام بمناطق أعالي النيل نتيجة لحركة التهجير الواسعة لكل المكونات القبلية الموجودة من البر الشرقي إلى البر الغربي في محاولة للضغط على القبائل الموالية للمعارضة الجنوبية. وتابع «لا يخفى على أحد أن حكومة جوبا تستخدم الطيران اليوغندي في قصف المدنيين لإجبارهم على ترك مناطقهم وفرض سيطرة الدينكا عليها». وقال «يمكن أيضاً قراءة هذه الافتراءات في سياق تغطية للأخبار والتسريبات التي تحدثت عن اجتماعات لقيادات الحركة الشعبية ـ شمال، والجبهة الثورية بمسؤولين في جوبا لتأمين الدعم العسكري للحركات المتمردة في جنوب كردفان والنيل الأزرق وخلق مبررات لهذا الدعم».
دفوعات جوبا
السفير الجنوبي بالخرطوم ميان دوت، أشار في حديثه لـ«الإنتباهة» الى أن ما يعترض سبيل العلاقات الثنائية بين البلدين واحدة من التحديات التي لا تريد لهذه العلاقة أن تمضي بعيداً. وقال إننا في الجنوب اليوم في حالة أمن وسلام تامين ولا توجد حرب بيننا لذلك لم يتحرك الطيران الجنوبي لضرب المنطقة ولا يوجد طيران آخر هناك حتى يتهم بذلك، مؤكداً أن الأمر بالنسبة لهم واضح ولا يوجد طريق آخر لتفسيره غير أن الخرطوم تريد أن تقطع التقدم الذي طرأ على العلاقات المشتركة بهذه الممارسات. وذكر ميان أن السودان وكخطوة استباقية قام بإغلاق الحدود وإمهال الجنوبيين الموجودين بالخرطوم فترة انقضت لمغادرة أراضيه، في الوقت الذي تأوي جوبا أكثر من ثلاثة ملايين سوداني وتقوم بمعاملتهم كأنهم وطنيون. وطالب الخرطوم أن تراجع سياساتها. وحول دعم بلاده للمعارضة وإيوائهم بجوبا، قال إن الخرطوم أيضاً تقوم بإيواء المعارضة الجنوبية. وحول عدم إشعار جوبا بهذا المسلك في الوقت الذي تبرهن فيه الخرطوم بالحجج والأدلة، قال إننا في حكومة الجنوب نرى أن إثارة مثل هذا الكلام عبر الإعلام لا يقدم الطرفين ولا يساعد في إيجاد الحلول اللازمة للأزمة المشتعلة بين الفريقين.
وقال ميان: قدمنا للخرطوم جهدنا كوسيط لإنهاء الأزمة السودانية بين الحركات المسلحة وقطاع الشمال، ولكن الخرطوم أعربت عن رفضها لوساطتنا ولا نعلم ما هو سبب الرفض. وحول ما ان الخرطوم تحفظت عليهم من منطلق أنهم وسيط غير محايد، قال إننا لا نسأل الخرطوم عن سبب رفضها لنا ولكننا علمنا أننا غير مرغوب فينا لذلك لم نذهب في هذا الأمر بعيداً معها.
وحول الطرف الذي يقوم بالتحقق في الاتهامات التي توجه الفينة والأخرى بين الطرفين، قال السفير الجنوبي بالخرطوم إن لجنة سياسية أمنية عسكرية مشتركة تم تكوينها لهذا الغرض بيننا والخرطوم ولكننا في الآونة الأخيرة طلبنا من الخرطوم الطرف الثاني في اللجنة إيقاف اللجنة وتجميد نشاطها ريثما يتم تشكيل الحكومة الجيدة القادمة في جوبا ولذلك لم تقم هذه اللجنة بما كانت تقوم به في الأوقات السابقة حيث الاجتماعات المتبادلة بين جوبا والخرطوم والمباحثات الثنائية. وأعرب عن أمله في أن تشهد العلاقة بين الطرفين حالة من الأمن والاستقرار وأن تعود اللجنة الأمنية المشتركة لاستئناف اجتماعاتها ودورها المفقود لإنعاش العلاقة بين البلدين.
علاقة غير سوية
وربط اللواء يونس محمود الخبير والمحلل العسكري في حديثه لـ«الإنتباهة» هذه القضية في أن يتم الحديث والتداول فيها بصراحة اكثر موضحاً بأن مرد كل هذه التداعيات يعود لأصل العلاقة التي بنيت بين الطرفين، وقال إنها لم تبن على بينة واضحة، بل بنيت على بقايا مشكلات، خاصة فيما يتعلق بالحدود بينهما، مستغرباً من أنه كيف تستوي مثل هذه العلاقة والحدود تشهد ثماني نقاط خلاف ما زالت عالقة. وقال يونس النقطة الثانية التي يجب ان نتحدث حولها بصراحة أيضاً، هو أنه ما زالت هناك أطماع للحركة الشعبية في تغيير الوضع في السودان تغييراً كلياً فكرياً وعقدياً وسياسياً عن طريق تمكين أذيالها قطاع الشمال ودعمهم لإرهاق السودان وتمكينهم من بسط مشروعهم السودان الجديد لتحرير كل السودان. كما ربط بين ما يحدث الآن وبين بقاء قوات تتبع للجيش الشعبي لتحرير السودان وهي ما عرفت بالفرقتين في النيل الأزرق وجنوب كردفان، مؤكداً أن هذه القوات تتبع إدارياً وسياسياً وعملياتياً لجنوب السودان ودعمهم المستمر لقطاع الشمال بقدرات عسكرية مهولة بالإضافة للفئة الاخرى المواطنين الموجودين في جوبا والنفط وقيمة النقل، كلها ملفات بها تعقيدات وكلها مبنية على نفس الصراع الداخلي بين أولاد قرنق وسلفا كير والتي بنيت على القصاص من دولة السودان على ما اقترفته في سنوات ماضية. وقال يونس إن من يتابع التلفزيون نجدهم يسمون السوداني بالعدو. وقال إن اتهامهم للجيش بضرب مناطق حدودية لهم اتهام لا يخلو من السذاجة والغرض. بينما أكد أن للجيش الحق التام في ضرب المعارضة المسلحة الموجودة هناك طالما أن حكومة جوبا لا تريد تجريدهم من السلاح رغم مناشدة المجتمع الدولي لهم والوسطاء للإبقاء على الجوار الآمن. ولكن يونس رسم أزمة أكبر عندما قال إن هناك أزمة في الجنوب في من يتخذ القرار، مشيراً إلى أن سلفا كير لم يكن ممسكاً بتنفيذ القرارات، مشيراً إلى الأزمة التي لحقت برسم الحدود خاصة. وقال إذا كانت القوات المشتركة موجودة كان بإمكانها أن تكون شاهداً ورقيباً. فيما قطع بأن يكون القرار المواجه لجنوب السودان من الخرطوم أن يصنع بدقة ولا يتعامل معه بالعاطفة. وقال بالمنطق أن الجنوبيين اتخذوا قرارهم طواعية وذهبوا ولذلك يجب أن نعاملهم بالطريقة التي تحفظ للمواطن حقه رغم نوعية الظروف، مشيراً إلى أن فتح الحدود كان أسلوباً وقراراً خاطئاً. فيما حذر من التعامل مع دولة جنوب السودان التي وصفها بالمضطربة، داعياً لتسوية الملفات المعلقة وترسيم الحدود، مضيفاً وقتها لا مانع لدينا من جوار حميم وتبادل منافع ومصالح مشتركة. يأتي هذا بينما تشهد الساحة مولوداً جديداً لحل الأزمة بين الأطراف للوساطة الإفريقية سميت بخارطة أمبيكي للتسوية في المسائل المختلف بشأنها، فيما اختير أمبيكي وسيطاً للشأن المتعلق بالقضايا الخلافية بين الخرطوم وجوبا، كما اختير لمعالجة متبقيات نيفاشا المرتبطة بوجود قطاع الشمال على الحدود وفي المنطقتين ويبحث مع الحكومة في أديس والخرطوم القضايا التي ما زالت عالقة رغم المحاولات المتعددة، فيما يبني الكثيرون آمالاً على خارطة الرئيس الجنوب افريقي السابق لوضع حد لهذه الأزمة، وربما شهدت العلاقة بين البلدين وفقاً للخارطة الجديدة لأمبيكي، تطوراً في تبادل الثقة وغيرها من الجوانب التي تتعلق بالمصالح المشتركة والحدود بين البلدين.
المصدر: الانتباهة
