الأعشاب.. ملاذ الفقراء في السودان لمواجهة غلاء الأدوية

بالقرب من مستشفى الخرطوم شرق العاصمة السودانية، يجلس مصطفى يحيى تحت ظل شجرة عارضا مجموعة من الأعشاب المتنوّعة، ويزعم أنها تُعالج عشرات الأمراض، منها السكر وارتفاع ضغط الدم والربو، وحوله يتجمع عدد من المارة بعضهم يأخذ من المعروض بعد أسئلة طويلة، وآخرون يكتفون بالفرجة ثم يغادرون.

الثمن الزهيد للعلاج جعل رجلا يعاني آلاما في أسنانه، يتوقف لأخذ عشبه يدفع مقابلها مبلغا يقول إنه “لا يصدّق، مقارنة مع كلفة مقابلة طبيب أسنان لم يقرر بعد طبيعة المشكلة”.

ملاذ لقطاع واسع

دون رقيب تنتشر محلات التداوي بالأعشاب في قلب الخرطوم وغالب أسواقها الكبيرة، واللافت أن هذا النوع من العلاج بات خلال الأشهر الأخيرة ملاذا لقطاع واسع من السودانيين، بسبب تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية التي رفعت كلفة العلاج وتضاعفت معها أسعار الأدوية لأكثر من 300%، فبات لجوء بعض المرضى إلى العشابين لا مناص منه للتخلص من الألم وتوفير كثير من المال، بالنظر إلى الثمن الزهيد الذي تباع به تلك الوصفات.

يسرد مصطفى يحيى للجزيرة نت كيف أن أعشابه نجحت في علاج مئات المرضى من الفقراء والمحتاجين الذين قال إنهم أكثر الفئات التي تأخذ وصفاته، ويروي كيف أن البعض يقصده من أماكن بعيدة بعد أن وفر لأقاربه أدوية بمقابل لا يُقارن بأسعار الصيدليات.

كما يؤكد عدم تلقيه أية شكاوى من أن العلاج سبب مضاعفات أو آثارا جانبية، ويشير إلى أن الأدوية التي يبيعها يأتي بها من ولايات مختلفة، وهي مكوّنة من الأعشاب وجذوع الأشجار.

وفي سؤال عن قانونية عملهم، أجاب قائلا: “السلطات لا تعترف بهذه الأدوية، وفي بعض الأحيان تقوم سلطات البلدية بالقبض علينا وتغريمنا مبالغ مالية، ومن ثم يتم إخلاء سبيلنا”.

بدا واضحا إيمان عدد كبير من السودانيين بالطب البديل، ولا سيما أولئك الذين لا يستطيعون تحمل نفقات العلاج وتوفير الأدوية، غير مبالين بالمخاطر الصحية التي يمكن أن تُهدِّد حياتهم، بالرغم من تحذير صيادلة وعاملين في القطاع الطبي من عدم مطابقة تلك الأدوية للمواصفات.

آثار جانبية

يعزو صافي الدين الماحي، وهو عميد سابق لكلية صيدلة، لجوء المرضى إلى الطب البديل لعدم توفر الأدوية أو عدم مقدرة المريض على شرائها، ويؤكد للجزيرة نت فداحة الآثار الجانبية التي يمكن أن تخلفها هذه الأعشاب.

ويتحدث صافي الدين عن أن “نسبة وطريقة استخلاص المواد الفعالة في الطب البديل غير مدروسة علميا، بمعنى أنه يمكن لمادة فعالة ما أن يتطلب استخلاصها درجة حرارة معينة، لكن العشاب قد يطلب منك غليها بما يؤدي لأن تتطاير وتسبب أضرارا”.

وأشار إلى أن “المشكلة الكبرى هي ما يدعيه العشابون من أن معروضاتهم على قارعة الطريق تعالج العديد من الأمراض، مثل الضغط والسكر والسرطان والإيدز، فيعتمد عليها المريض ويترك الأدوية المجربة، فتسوء حالته الصحية بنهاية المطاف”.

تداعيات كورونا

يرجع ياسر ميرغني رئيس جمعية حماية المستهلك السودانية، عضو المجلس القومي للأدوية والسموم في السودان، سبب لجوء قطاع كبير من المواطنين للعلاج بالأعشاب والأدوية البلدية، إلى جائحة “كورونا” التي قال إنها زادت معاناة المستهلكين مع شراء الأدوية، في وقت ارتفعت فيه أسعار المكملات الغذائية والفيتامينات بنحو أعجز غالب المستهلكين عن اقتنائها.

وأكد ميرغني للجزيرة نت أن “لجوء المستهلكين للعلاج بالأعشاب والعسل والقرآن هي ممارسات قديمة ولديها تاريخ راسخ وسمعة جيّدة رغم تطور العلم والتداوي عبر العقاقير الطبية الحديثة، كما أن لدى بعض المستهلكين اعتقادا جازما بنجاعة الأدوية العشبية”.

وأوضح أنه في بعض الأمراض لا يلجأ المستهلكون أصلاً للأطباء، بل يذهبون مباشرة للعطارين وبائعي الأعشاب. وأبدى أسفه الشديد لغياب الرقابة على العشابين وما يعرضونه من منتجات.

إجراءات اقتصادية

مما لا جدال فيه أن الإجراءات الاقتصادية التي أقرّتها الحكومة الانتقالية مؤخرا، فاقمت معاناة السودانيين في الحصول على الأدوية عقب تعويم الجنيه السوداني، وإلغاء الدولار الجمركي، وفق مراقبين.

ويشير عضو تجمع الصيادلة المهنيين صلاح جعفر إلى أن “لجوء المواطنين للأدوية العشبية هو نتيجة طبيعي للسياسة التي اتبعتها الحكومة الانتقالية مؤخرا”، ويؤكد “أن هذه السياسة تجاه الأدوية التي تفتقِر للشفافية، ساهمت في استمرار معاناة المواطنين وفشلهم في الحصول على الأدوية الحديثة في العلاج، ولجوئهم للتداوي بالأعشاب والعلاج بالرقية والعلاجات التقليدية”.

وأضاف “هناك زيادات كبيرة في أسعار الأدوية الحديثة وصلت في بعضها لنسبة 1000%، مع ثبات دخول الناس وعدم وجود شبكات لأنظمة الحماية الاجتماعية كالتأمين الصحي، وعدم رغبة الدولة في دعم الأدوية”. ليكون أثر ذلك -وفقا لجعفر- أن يتعامل المرضى مع أدوية عشبية لم تخضع لدراسات علمية، وببيعها من غير ذوي الاختصاص كما تفتقر للجودة.

تفعيل القوانين

ويُطالب صيادلة بضرورة تفعيل قانون يجرم ويحرم بيع الأدوية العشوائية، لثبوت أضرارها على آلاف المرضى.

وكشف مسؤول في إدارة النباتات الطبية والأعشاب بوزارة الصحة -للجزيرة نت- عن تفعيل قانون لردع البيع العشوائي للأدوية في الأسواق، وقال إنه “سيرى النور قريبا”.

ونفى تعامل المجلس القومي للأدوية والسموم مع هذه الأدوية، مشيرا إلى أن “أغلب الذين يبيعونها يعملون بطرق غير قانونية، وأن هناك شكاوى من مرضى تعرّضوا لآثار جانبية جرّاء تناولهم لهذه الوصفات”.

المصدر : الجزيرة

تعليقات الفيسبوك


انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.