“يونيسيف”: 6.9 ملايين تلميذ خارج الفصول.. لماذا يتسرّب ثلث طلاب السودان من المدارس؟

سودافاكس _ واحد من كل 3 أطفال بسن الدراسة في السودان لا يذهبون للمدارس. هذه الجملة تلخّص التقرير الإحصائي الذي أعدته منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) ومنظمة “أنقذوا الأطفال” عن ظاهرة التسرب المدرسي في السودان.

وقدّر التقرير المشترك حجم الطلاب ممن هم في سن الدراسة لكنهم خارج الفصول بـ6.9 ملايين تلميذ، في وقت يواجه قرابة 12 مليون تلميذ آخرين مشاكل تتصل بعدم استقرار التعليم جراء نقص المعلمين، وتردي البنى التحتية، وضعف البيئة المدرسية.

وفي العام 2021، قَدرت اليونيسيف أعداد الطلاب خارج المدارس بحوالي 3.6 ملايين؛ ما يعكس وجود تنامي كبير للظاهرة إلى حدود باعثة للقلق.

أسباب التسرب
المنظمتان الدوليتان نشرتا تقريرهما في 12 سبتمبر/أيلول الجاري، وقد أرجعتا سبب الأرقام الكبيرة للطلاب خارج المدارس في السودان (لا سيما الإناث) إلى تفاقم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وتنامي ظاهرة النزاعات، وإغلاق المدارس إلى فترات طويلة بسبب كوفيد-19.

ويعاني السودان من ظروف اقتصادية ضاغطة جراء توقف الدعم الدولي عقب تولي الجيش السلطة في 25 أكتوبر/تشرين الأول 2021، وحذرت يونيسيف ومنظمات إغاثة دولية من أن 8.2 ملايين من السكان بحاجة إلى المساعدات الإنسانية خلال العام الجاري 2022.

وفي السياق نفسه، ما تزال الكوارث البيئية تعيق مسيرة التعليم في البلاد، إذ أدت السيول والفيضان الشهر الماضي إلى تدمير 124 مدرسة وفقا لإحصائيات رسمية، بوقت ما تزال الاضطرابات السياسية تلقي بظلالها السالبة على التقويم الدراسي، وليس نهاية بتنامي الصراعات القبلية وما يستتبع ذلك من عمليات نزوح واسعة النطاق.

وإضافة لأسباب التسرب الواردة في التقرير الدولي، أضاف آخر وزير للتربية والتعليم في حقبة الحكومة الانتقالية المعزولة، البروفيسور محمد الأمين التوم، ما سماه “ضعف الإرادة السياسية للنهوض بالتعليم… والمشكلات التي يعانيها القطاع منذ حصول السودان على استقلاله في العام 1956”.

وأشار التوم في حديثه وفق الجزيرة نت إلى أن “التعليم لا يمثل أولوية لدى النخب السياسية الحاكمة، بداية من غياب السياسات التعليمية، وضعف التمويل المخصص في الموازنات العامة، مرورا بتعيين وزراء التربية والتعليم في حقبة نظام المعزول البشير (1989-2019) من باب تأليف قلوب الساسة للالتحاق بالسلطة، وصولا إلى عدم تعيين وزير لإدارة الشأن التعليمي بالبلاد منذ حل الحكومة الانتقالية الأولى في فبراير/شباط 2021، وإسناد الأمر لمن يدير ملفاتها بآلية التكليف”.

وتعهدت حكومة تصريف الأعمال في يناير/كانون الثاني 2022، بزيادة الصرف على التعليم والصحة في الموازنة العامة 2022 التي تعتمد على الموارد الذاتية، من دون التطرق لأرقام الإيرادات والمصروفات.

وظل نصيب التعليم في الموازنات العامة يحظى بنسب ضئيلة جدا تصل أحيانا إلى 2% فقط، جراء تبعات الصرف الكبير على قطاعَي الأمن والدفاع.

وأضاف التوم لأسباب زيادة نسب التسرب المدرسي، ما يعتقده من انخفاض الوعي بأهمية وجدوى التعليم لدى بعض الأسر السودانية.

وبيّن التوم أن هناك أسبابا آنية تتصل بالسلطات الحالية والتي قال إنها “قطعت الطريق أمام عمليات إصلاحات كبيرة بدأت في العام 2019، وشملت موازنة للتعليم بقيمة 80 مليون دولار لضمان إلحاق كل الأطفال في سن السادسة بالمدارس بحلول 2029، وحالت دون إجازة القوانين الخاصة بالتعليم، بجانب وقف مشروعات طموحة تضمن إرسال الطلاب إلى المدارس، كإقرار مبدأ مجانية التعليم الحكومي، ومشروع الوجبة المدرسية للتلاميذ في الفصول من الأول وحتى الثامن بالمرحلة الأساسية”.

الرأي الحكومي
وفي أولى ردود الفعل الرسمية، شكّكت مديرة الإدارة العامة للتخطيط والسياسات والبحوث بوزارة التربية والتعليم، الدكتورة ابتسام محمد الحسن، في الأرقام التي أوردها التقرير الدولي. وتساءلت في حديثها مع “الجزيرة نت”، عن المصادر التي اعتمدها التقرير، لا سيما أن الوزارة -وهي الجهة المختصة- لم تشارك في إعداده.

ومن ثم عقدت الدكتورة الحسن مقارنات بين ما أورده التقرير عن وجود 6.9 ملايين تلميذ خارج المظلة التعليمية، وآخر إحصائية حكومية صدرت في العام 2018، وقدّرت أعداد الطلاب خارج المنظومة المدرسية بما يزيد على 3 ملايين.

وأضافت مديرة الإدارة العامة للتخطيط والسياسات والبحوث بوزارة التربية والتعليم السودانية، “كذلك فإن عدد الأطفال في المنظومة التعليمية الحالية يقدر بحوالي 8 ملايين طالب، في حين عدد السكان في الفئة العمرية من 4 إلى 14 عاما لا يتخطى 14 مليون نسمة بأي حال”. كما كشفت المسؤولة الحكومية، أنهم بصدد إخضاع تقرير المنظمتين الدوليتين للدراسة والتمحيص.

وفيما لم تقطع عضو لجنة المعلمين السودانيين، درية بابكر، بصحة الأرقام الواردة في التقرير، شددت على وجود زيادة كبيرة في نسبة المتسربين من الدراسة مقارنة بالأعوام السابقة.

وقالت ، إن “السلطات الحالية تبنت سياسات تساهم في زيادة التسرب المدرسي، نحو إعادة الرسوم الدراسية، وعودة المدارس النموذجية؛ الأمر الذي يعني العمل بنظام القبول الخاص داخل مدارس تابعة في الأصل للحكومة”.

آثار وخيمة
إذن ما الذي يعنيه وجود ثلث طلاب السودان خارج المدارس؟

سؤال أحلناه إلى المتخصص في سياسات التكنولوجيا في التعليم، عمر بابكر، الذي قسّم أثر ذلك على مستويين؛ أحدهما قريب ومتوسط، وآخر بعيد المدى تسدد فاتورته الدولة برمتها.

يقول بابكر ، إن “الأثر القريب والمتوسط لحرمان الأطفال من حقهم الدستوري في التعليم يتمثل في زيادة أعداد الفاقد التربوي، وتعرض الأطفال للانتهاكات في أماكن العمل، زد على ذلك تفاقم الظواهر المجتمعية كالالتحاق بالمليشيات والمجموعات العسكرية، وارتفاع نسب زواج الطفلات”.

وعلى المدى البعيد، توقّع بابكر حدوث خلل في معادلة التنمية الاجتماعية والاقتصادية، جراء عدم التزام السودان بأهداف التنمية المستدامة وجدول التنمية المستدامة 2030 التي تنص على التزام الدول بمؤشرات “التعليم الجيد، والمنصف، والشامل، المتاح للجميع”، ما يعني حرمان البلاد من التمويل والخبرات المتبادلة مع الشركاء الدوليين.

تعليقات الفيسبوك


انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا

انضم لقروب الواتسب - اضغط هنا


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.