(يا اخوانا كان رقتو بوصف الشفتو)!!

الفيلسوف الأغريقي (بيقور) الذي ولد قبل مئات السنين، حاول أن يكون سعيداً باعتزال الناس وأكل الخبز الجاف وأحياناً يضيف إليه قليلاً من الجبنة الحافة أيام الأعياد.!! فلسفة (بيقور) هذه لا تنفع معنا، لأن الجبنة الجافة أصبحت غالية، وحتى الرغيف الناشف بقى ما بفضل رغيف عشان ينشف.. تنشف الرغيفة كيف ورغيفتين بقو بجنيه.. (ننشف نحنا).!! نحن عشنا يا (بيقور) في زمن لو عشت فيهو معانا ما بتتفلسف تاني. كانت ميزانية سوداننا الحبيب يا أيها الفيلسوف العجيب قبيل أن ينال السودان استقلاله بسويعات (31.927.254) جنيها مصريا. هذه كانت هي الإيرادات.. أما المنصرفات فكانت (26.801.236) يعني كان هناك فائضاً في الميزاينة العامة التي أجازها البرلمان (531.922) جنيها مصريا.. فائض.. تخيل يا (بيقور). وبعد أن نلنا استقلالنا يا أيها الفيلسوف المتفلسف أصبحت لنا عملة سودانية خاصة قوامها الجنيه.. ربما كان الخطأ التاريخي أننا جعلنا رمزها ذلك الرجل الذي يمتطي صهوة بعيره وينطلق بسرعة الصاروخ..

ومن ديك وعيك عرفت ميزانياتنا المليون ثم المليار ثم الترليون والله يستر قد تصل كما يقولون (سلق سلق).!! ولكن ما هو السب الذي جعل المليونيرات في بلادنا أكثر من الخريجين العاطلين وبرضو مفلسين.؟! أهي دي فلسفة كان ممكن نستفيد منها يا حضرة (بيقور). في الزمن داك يا (بيقور) والليلة ديك والذي كانت ميزانية السودان بالأرقام لا تصل اثنين وثلاثين مليون جنيه مصري.. وهو رقم (بحسابات) اليوم لا ترضى به فنانة (واعدة) ولا لاعب كرة محترف.. في الزمان داك كان (المراسلة) وهو أقل العاملين في الحكومة وظيفة يستطيع من راتبه أن يعول أسرته ويتزوج ويحجج أمو وأبوهو. وكان ما في مشكلة في السكن يا (بيقور) كان ممكن يبني له أقرانه من الشباب غرفة في بيت الورثة ويعرشوها بالجالوص ثم يوشحونها بجريد النخل ويزفون له عروسته.!! عريسنا سار يا عشايه شويم شال الجداية وعريسنا سار للبحر وقطع جرايد النخل يعني يا (بيقور) ممكن الشاب حتى لو كان لا يعرف القراءة والكتابة، فقط يعرف يكتب اسمه..

يستطيع أن يعمل في الحكومة (بدون واسطة).. ويحقق من راتبه كل أمنياته وطموحه في الحياة الكريمة السعيدة المتمثلة في المأكل والملبس والعلاج والمسكن والزواح (ويحجج أبوه وأمو) كمان، فكيف بالملايين من الخريجين الطايرين في هذا الزمن ( اللعين).؟!! يعني ما في داعي يا (بيقور) ياكل قرقوش ولا جبنة ناشفة ولا كما تغني صباح: (يغديني جبنة وزيتون ويعشيني بطاطا) إذا كان ده (المراسلة) أقل رتب الخدمة المدنية درجة وما أدراك ما الخدمة المدنية اليوم يا (بيقور) فكيف ببعض الذين تقلدوا أعلى مراتبها وأثروا منها، وبنوا بذلك أفخم عماراتها، وملأوا الجيوب بأغلى مخصصاتها وانتفخت أوداج بعضهم بالكثير من بدلاتها وامتيازاتها و( كومشناتها).؟! وبعد ده كلو يا (بيقور) تبحث لي عن السعادة بين أكوام القرقوش والجبنة (الاريش) في المناسبات كي تعيش؟! وتحس بالسعادة.؟! زماااااان يا (بيقور) حينما كان (المراسلة) بحجج أمو، كان البلد كلها ما فيها من وسائل الترفيه الأثيرية غير ( الاذاعة).

وكان المذيع لمن يقول هنا (أم درمان) تحس بأن المذيع مبسوط.. وتتأكد من صوته (التريان) بأنو شبعان.. فطر فطرة جامدة في البيت وحلى بالأنناس والرمان. و(المراسلة) كان يعمل دواما واحدا في فترة الصباح حتى الظهيرة.. وباقي يومه في العصريات كان يقضيه في الاجتماعيات وكانت الرياضة مزدهرة في الملاعب والاستادات.. أما المساء فقد يفضل السينما أو الاخوانيات.. لكن كل ذلك لا يشكل عبئاً على جيب (المراسلة) مع إنه الأقل مرتباً في سلك وظائف الدولة والفئات. وبرضو يا (بيقور) تقول لي قرقوش وجبنة (اريش).. ومال لو شفتنا بعد الاستقلال بعد ستين سنة بنصرف الملايين ونحن شقيانين.!! لكن الأغرب من ذلك ما كلمتك بأهم أسرار غلاء الأسعار.. امكن في العدد القادم ألقى مجال. وما تنسانا من حتة جبنة.. اصلو عندي عقاب قرقوش.. والسعادة ما بي القروش.

والمثل يقول إذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام.. في الحلقة السابقة كان معنا الفيلسوف الاغريقي (بيقور) الذي عاش قبل مئات السنين. وهو كان يبحث عن السعادة في (الزهد)، فاعتزل الناس وعاش باقي عمره على (القرقوش) والجبن الأريش (الناشفة). ولعل الشيخ فرح ودتكتوك كان افضل منه الذي عرّف أن الدنيا كلها خربانة في مقولته الشهيرة: (خربانة أم بناياً قش).. فهو يرى أنه حتى بناياتنا التي بدأت تغازل السحاب في الخرطوم وتبرجت (بالكلادن) هي ايضاً خربانة خربانة ذات يوم. وفرح ودتكوتك الذي تنبأ بأن آخر الزمان يتلكم الناس بالخيوط ويكون السفر بالبيوت.. ايضاً نضيف له أن الكلام اصبح عبر الاسافير وصورة وصوت.. وان الفضائيات نقلت الينا عالماً حسبناه كبيراً جداً وهو اقل من صغير.

معنى ذلك اننا نعيش في الزمن بدل الضائع والاخير. اما فيلسوفنا المتفلسف الاغريقي (بيقور) الذي اختزل السعادة في زهده عن الناس والعيش على القرقوش والجبنة الاريش.. فلقد حادثنا خياله عبر (الواتساب) بأن فقيرنا اليوم يعيش وفي جيب كل فرد من افراد الاسرة (موبايل) وقد يكون بالموبايل (شريحتين) وفي داخل منزله (ثلاجة).. وتلفاز و(ديجتال) ينقل له العالم كله خيره وشره والماء يجري من تحته عبر (المواسير) فاذا كتم الجو في غرفته ادار محرك المروحة، أما إذا كان (فقره) افضل من غيره أدار (المكيف)، ثم أنه فوق كل هذا وذاك قد يكون خريج إحدى الجامعات لا يجد عملاً يناسبه فيما تخرج فيه من الدراسات.. وفراشه وثير ومنزله يستره حتى لو كان بمفهومه العصري مضاهاة بأقرانه حقير.. وقد يلبس من الملابس والازياء ما هو مستورد من كل ارجاء المعمورة.. وثقافة في الفن وفي الحياة جميعها كما هي ثقافته في الكورة.. (بيقور) حينما اعتزل الناس قبل مئات السنين وآثر التقشف والزهد ما كان ليصدق بأن الناس بعد مئات السنين من عصره يعيشون رفاهية لا يحسونها، ويأكلون كل أصناف الطعام في العالم ولا يجدون له طعماً، ويتعلمون في أعلى درجات السلم التعليمي ولا يعملون بما تعلموه، ويتعالجون من أمراض لم تكن قد ظهرت في أسلافهم بمبالغ تفوق قدرات جيوبهم، ويسافرون (بالبيوت) كما قال الشيخ فرح ولكنها بيوت طائرة في الجو كالنسور، ولابد لهم من اموال بالحرام او الحلال للوفاء بقيمتها.

وكل ذلك رهناً على حساب (بنك جيب الفرد غنياً كان أم فقيرا). بيقور قد لا يصدق بأنه كلما تقدم العالم في الرفاهية كان ذلك خصماً على الدخل والماهية، وحتى يحقق الفرد للوفاء بذلك بدأ كل الشباب يكد ويجتهد ويعمل (ساعات اضافية) فتناقص جراء ذلك عمر الفرد وهجمت عليه أمراض عصرية، فأصبح اكثر الكادحين وراء الوفاء بالتزامات الحياة الضرورية والكمالية والنتيجة لا يتجاوز عمره الخمسين.. فزاد عدد اليتامى والمحرومين، ولأن تكاليف الزواج عسيرة زادت أعداد العنوسة وأصبحت الحياة مرهقة مكلفة خطيرة. في بلادنا العملة والنقد يا (بيقور) قبل أن ننال استقلالنا بدأت عندنا بالمليم والتعريفة.. وكان حينها حجم بنك السودان من طابق واحد.. وفي كل حقبة من (التضخم) يا (بيقور) يزيد البنك علواً وارتفاعاً الى عنان السماء كما الاسعار، حتى اصبح بنكنا اليوم هو رمزاً للغلاء.

ولا يعلم السيد بيقور بأن طفلتي التي تخرجت من الروضة بالامس القريب قد أقمنا لها حفلاً مكلفاً وبهيجاً بالتخرج، وأن ما كلفته دراستها بالروضة يفوق ميزانية السودان حينما كان السودان قد تخرج من (روضة الاستقلال) وكانت مباني وزاراته ذات طابق واحد قريب المنال. وبعد.. فإنني نسيت أن أحدثكم عن أهم أسرار الغلاء، وأرجو أن تذكروني بعد أن نتناول وجبة من الجبنة والقرقوش.. لعلنا نجد السعادة فيما كان قد وجدها الفيلسوف (بيقور) المغشوش. (الأسعار طايرة في السما)

الانتباهة

Exit mobile version