في توهجات جمال أخاذ كانت تعيش بيننا حياتها مثل ساعة ضُبطت بعناية ساعة خروجها من المنزل وساعة عودتها من المدرسة، أو قل المدرستان اللتان درست بهما (المتوسطة والثانوي). في مشيتها حالة من الفخامة البائنة كالطاؤوس وهي تمشي.. حديثها بلغة واثقة، تخرج الكلمات كأنها سلسبيل نادر الوجود. أما أناقتها في مزيج من الحشمة والوقار والحداثة التي هي من وحي ما ترتديه ممثلات السينما في عقد الثمانينات. حيث ينادي منادي المناسبات الاجتماعية التي يكون الغناء والألحان فيها وجودا.. كان الجميع ينتظر لحظة إطلالتها البهية. ملأت الدنيا وشغلت الناس – وهي في نجوميتها كانت قليلة الحديث – نادرة الإطلالة. لم يجرؤ أحد من مشاغبي ذلك العهد على الاقتراب منها، لسبب واحد وهو الخوف من جمالها الصارخ وتعامل الجميع معها كأسطورة من أساطير الزمان. أشقاؤها ثلاثة أحدهم معلم للغة الانجليزية والأكبر مقيم بمدينة أخرى. أما الذي يكبرها فهو أحد الذين دلفوا إلى العمل الأمني والمخابراتي فصار شخصا مهابا ليس لوظيفته بل لصمته الدائم وعدم مخالطته الناس. في مصادفة نادرة أتاح القدر لصديق مقرب الاقتراب منها عبر صديقة مشتركة تعتنق فكرا حديثا تنظيميا جريئا.. فكان الاقتراب والشعر والقصة والحديث المطول حول أدب نجيب محفوظ وقصائد أمل دنقل. اقتربا من بعض أكثر فأكثر، فكان حذر صديقنا في كل سكناته وحديثه معها حتى لا يفقدها. رغم علم شقيقها بكل شيء في محيط المدينة العظيمة التي هي جميعها مفتوحة للعلاقات الاجتماعية, إلا أنها كانت تتصرف معه بكل أريحية وتأدب. أما هو فكان في حلمه الجميل مستقبلا زاهيا صممه لها كزوجة مثالية. في تقلبات حياتية منطقية دلفت جامعة عريقة بعد الجلوس ثلاث مرات لامتحان الدخول إليها. أما صديقنا فظل يكتب الخاطرة تلو الأخرى عنها.. حتى كانت هي قارئتها الوحيدة. كان زواجهما حدثا من أحداث الزمان التسعيني.. ويومها لم يبك صديقنا بل قال في سره (يكفيني أنني الوحيد الذي وثقت به وكنت لها رفيقا). افترق الاثنان وظلت ذكرى علاقتهما في ألسن صديقاتها وذكريات أصدقائه. أخيرا.. بعد ثماني وعشرين عاما من هذه العلاقة اكتشف صديقنا أن شقيقها المخابراتي كان يعلم بهذه العلاقة وسؤال صديقي الدائم – لماذا صمت عنها.!؟
صحيفة الانتباهة – صلاح عبد الحفيظ
