مواطنون رأوا أنها عطلت مصالحهم احتفائية الساحة الخضراء

لم تجد نائبة رئيس البرلمان تبريراً ترفع بموجبه جلسة أمس “الثلاثاء” غير الإشارة إلى أن الجلسة مرتبطة بوزراء الزراعة والبيئة والثروة الحيوانية، وأن الوزراء مرتبطون بضيوف البلاد الذين جاءوا لحضور المؤتمر العام للحوار الوطني. الشاهد أن بدرية، الموصوفة بأنها حاذقة في تفصيل التشريعات وحياكة التبريرات، عادت ونوّهت إلى أن رفع الجسة يأتي – أيضاً – تنفيذاً لرغبة بعض النواب في حضور الحشد الجماهيري لدعم مخرجات الحوار الوطني الذي يخاطبه الرئيس بالساحة الخضراء. فتأثير النشوة بمخرجات الحوار الوطني امتد حتى قبة البرلمان، وهو تأثير يرى كثيرون أنه ضار، بينما يتمترس آخرون بأنه حسُن، طالما أنه دغدغ عاطفة الكثيرين بمن فيهم المُشرِّعين. وهنا برزت أهمية الحشد الذي ألقى بظلاله – ليس على قبة البرلمان – وإنما على الشارع السوداني بأسره. يقول أيمن عثمان، وهو ناشط سياسي، إنه تضرر بشكل شخصي من احتفائية الساحة الخضراء التي اضطرت الكثير من الموظفين للذهاب إلى هناك، تاركين مواقعهم في العمل. مضيفاً في حديثه لـ(الصيحة) إن ذلك ترتب عليه عدم إنجاز معاملة جاء خصيصاً لتنفيذها. ولكن عسكه تماماً يرى منتصر الطيب، وهو موظف بوزارة عدلية، أن المشاركة في الاحتفائية واجب وطني، منوِّهاً في حديثه لـ(الصيحة) إلى أنه لا ضير من حشد الموظفين للاحتفاء بمخرجات الحوار الوطني، فهي بمثابة ضامن لحل الأزمة السودانية، واستغرب انتقاد حشد الطلاب والموظفين، وقال إن هذا الأمر يحدث في دول كثيرة، ومضى قائلاً: لو أن هذه الوثيقة الوطنية أُنجزت في بلد آخر لتم منح الموظفين إجازة رسمية للمشاركة في الاحتفاء بها.

أخطاء كبيرة

الناظر إلى الحشود التي شاركت في كرنفال الساحة الخضراء الذي جاء احتفاء بمخرجات الحوار الوطني، سيجد أن المكان ضج بأعداد كبيرة، وربما ذلك يعودة بصورة أو أخرى، إلى الحملة الكثيفة التي انتظمت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي، من قبل جهات حزبية وتنفيذية وهيئات شبابية، لحث المواطنين على المشاركة في الحوار الوطني . على الرغم من أن تلك الدعوات شابها الكثير من القصور ولحقت بها كثير من الأخطاء على نحو ما حدث مع بعض مؤسسات ولاية الخرطوم التي قامت بتبديل موقع اللون الاسود ووضعه في موقع اللون الأحمر في العلم الذي صاحب الدعوة للمشاركة في احتفائية الساحة الخضراء.

دعوة لقيام الجلسة

وبالعودة إلى البرلمان فقد أرسلت أمانة الإعلام بالمجلس الوطني مساء يوم “الإثنين” عبر “الواتساب” و”الإيميل” رسالة لمندوبي الصحف الدائمين بالبرلمان، حملت أجندة جلسة الثلاثاء وموعد انعقادها عند الساعة العاشرة صباحاً، رغم أن بعض الصحفيين توقع عدم عقد الجلسة في هذا الميقات الذي يتزامن مع الحشد الجماهيري، لأن غالبية النواب من حزب المؤتمر الوطني وبالتالي سيكونون حضوراً في “الساحة الخضراء”، وهو ما حدث بالفعل. فعندما همّت نائب رئيس البرلمان د. بدرية سليمان ببدء جلسة أمس، ثبت أن أكثرية النواب تغيبوا عن الحضور إذ جاء إلى البرلمان (33) نائباً فقط، وهو أمر يحول، وفقاً للائحة، دون قيام الجلسة التي تُشترط لقيامها حضور ثلثي أعضاء المجلس الوطني البالغ عددهم (424).

جلسة الـ “5” دقائق:

بعد عملية الإحصاء تلك، ظل بعض أعضاء البرلمان يدخلون القاعة واحداً تلو الآخر لكن بأعداد قليلة للغاية، في وقت تتحرك فيه عقارب الساعة نحو الحادية عشر، بينما بعض النواب الحاضرون غارقون في هواتفهم الذكية رغبة في ملء الفراغ.

وفي غمرة ذلك، ظل “الحاجب” خارج القاعة يقرع الجرس تنبيها لنواب يتواجدون بالكافتريا يتناولون الإفطار والعصائر البلدية “التبلدي والكركدي” الموجودة بصورة حصرية.

وعندما بلغت “عقارب” الساعة المعقلة على حائط قاعة المجلس، العاشرة و(39) دقيقة، بدأت رئيسة الجلسة بدرية سليمان وطالبت أحد النواب بتلاوة القران الكريم كاستهلال للجلسة فقرأ سورة “النبأ” كاملة، بعدها قالت بدرية للنواب: “إن موضوعات جلسة اليوم ترتبط بوزاء الزراعة والبيئة والثروة الحيوانية وهؤلاء الوزراء هم الآن مع ضيوف البلاد، واستجابة لرغبة بعض النواب في رفع الجلسة لأنهم يرغبون في حضور الحشد الجماهيري لدعم مخرجات الحوار الوطني الذي يخاطبه الرئيس بالساحة الخضراء، أعلن رفع الجلسة، على أن يتم درج بنودها في الجلسات القادمة”.

وختمت بدرية حديثها بلهجة حاسمة للنواب بأن جلسة اليوم الأربعاء سوف تبدأ عند تمام الساعة العاشرة صباحاً. ورفعت الجلسة وخرج النواب بعضهم غاضب والآخر مسرعاً للحاق بحشد الساحة الخضراء.

“دربكة” الحقائق

ونفى عضو البرلمان المستقل مبارك النور أن يكون حشد الساحة الخضراء قد تسبب في إلغاء جلسة الأمس، مؤكداً أن ما زعمته بدرية حول رغبة النواب لحضور احتفائية الساحة الخضراء، ليس صحيحاً لأن الجلسة تم إلغاؤها بسبب غياب النواب. وقال النور لـ(الصيحة) إن حديث نائب رئيس البرلمان بدرية سليمان ما هو إلا “دربكة” للحقائق لأن رفع الجلسة ليس لمطالبة النواب بغية حضور الحشد الجماهيري بالساحة الخضراء وإنما السبب الرئيس لرفعها هو عدم اكتمال النصاب القانوني وهو ثلثا الأعضاء من (424)، وقال النور : “قمتُ بإحصاء النواب بالقاعة عند بداية الجلسة وجدتهم “73” فقط، وحسب لائحة أعمال المجلس الوطني فإن النواب الذين يستأذنون عن الجلسات يعتبرون حضوراً حال عدم إكتمال العدد بالقاعة فيكمل بالغائبين المستاذنين، وتابع :”إذا كان النواب الغائبين مستأذنين كان يجب مواصلة الجلسة بالعدد الموجود”.

قرار غير موفق

الحالة داخل البرلمان لا تبدو مختلفة كثيراً عن بعض المؤسسات الأخرى، ذلك أن بعض الموظفين أظهروا رغبة في المشاركة في احتفائية الساحة الخضراء الداعمة للحوار الوطني، بمحض إرداتهم. هنا يقول الطيب إبراهيم وهو موظف حكومي إن الجهات المختصة سلبتهم الحق في التمتع باجازة تكفل لهم المشاركة في عرس الحوار الوطني- كما أسماه- مضيفاً في حديثه لـ(الصحية) أن حشد الناس إلى الساحة الخضراء ليس سلوكاً شاذاً، وأنه نهج درجت عليه القوى السياسة في أزمنة سابقة، وأضاف: “أتذكر أننا كنا صغاراً في فترة حكم الصادق المهدي، كان الناس يتم حشدهم بذات الطريقة”. ولكن المواطن لؤي إسماعيل يرى أن فكرة الحشد تنافي مع فكرة التحول الديمقراطي نفسها، لأنه كان ينبغي أن يُترك للناس خيار مساندة الحوار أو معارضته. لافتاً إلى ظلال سالبة للتحشيد مثل تحويل المركبات العامة لنقل الذاهبين إلى الساحة الخضراء، بينما يعاني المواطنون في الحصول على مركبة تقلهم إلى مواقع أعمالهم ومصالحهم. وأضاف أنه لا يرى داعياً لتعطيل المصالح خاصة أن بعض المواطنين لديهم إجراءات مرتبطة بجهات غير حكومية وبتاريخ مؤقت وغيرها من الإجراءات الضرورية في الدواوين الحكومية.

وقريباً من هذا المنحى، فإن المحلل السياسي، محمد وداعة، يرى أن حشد الناس بهذه الطريقة التي فعلتها ولاية الخرطوم يعتبر سلوكاً غير حضاري واستغلالاً لتواجد الطلاب بالمدارس، وقال لـ(الصيحة): “كان على حزب المؤتمر الوطني وبقية الأحزاب المشاركة في الحوار اختيار يوم “عطلة” لهذا الحشد حتى لا يتضرر الناس منه لأنه أحدث ربكة كبيرة في حركة المواطنين في الذهاب لعملهم”.

وبدوره، أكد وزير الثقافة بولاية الخرطوم، الدكتور محمد يوسف الدقير، أن جماهير الولاية تدعم وثيقة الحوار الوطني، وقال إنها توافدت إلى الساحة لدعم الوثيقة لكي تصل إلى غاياتها، منوهاً إلى أن الحشود قدمت وثيقة عهد وميثاقاً لرئيس الجمهورية من أجل وطن متطور ومتقدم وآمن. مشيراً إلى أن الحوار يعتبر سابقة في السياسة ومنهاجاً للحكم عبر الوثيقة الوطنية التي تم التوافق عليها ببقاعة الصداقة، مبيناً أنها ستكون كذلك القاعدة لتأسيس دستور دائم للبلاد يضع منهاجاً للتداول السلمي للسلطة. وقريباً من حديث الدقير فإن والي ولاية الخرطوم، الفريق أول عبد الرحيم محمد حسين، أكد مساندة الولاية وتأييدها المطلق لوثيقة الحوار، مبيناً في حديثه بالساحة الخضراء، أن الحشود الهادرة التي اصطفت منذ الصباح الباكر أكبر دليل على ذلك.
الصيحة

Exit mobile version