أمن الطيران في السودان: بين المطالب الدولية والتحديات الداخلية

كتب: سامي محمد الأمين

(هذا المقال يعبر عن رأي شخصي ولا علاقة له بأي رؤية رسمية).

سودافاكس – تناولت العديد من المقالات والنقاشات وضعية أمن الطيران بسلطة الطيران المدني، ومدى التزامها بالمطلوبات الدولية المتمثلة في التوصيات الواردة في تقارير التدقيق، والمختصة بفصل الأجسام التشغيلية عن الرقابية تحسيناً لمستويات الأمن والسلامة بالمطارات السودانية. وكمدخل للنقاش في هذا الموضوع الحساس، يجب أولاً، كمقدمة، استعراضه من خلال النظر إلى مواد اتفاقية شيكاغو باعتبارها المرجعية الأولى فيما يختص بهذه المسائل.

حيث تتحدث المادة الأولى من اتفاقية شيكاغو عن الاعتراف للدول بالسيادة الكاملة على إقليمها، حيث تنص المادة الأولى، والتي أتت بعنوان السيادة، على الآتي:
(تعترف الدول المتعاقدة بأن لكل دولة السيادة الكاملة والمطلقة على الفضاء الجوي الذي يعلو إقليمها).

وهو يعني أن للسودان الحق الكامل في إدارة مسائل الطيران المدني وفقاً لمصلحته الوطنية، بما فيها اختيار الهيكل التنظيمي الذي ينظم ويراقب عمليتي الرقابة والتشغيل في مجالات السلامة والملاحة والنقل الجوي وأمن الطيران والمطارات وتحقيق الحوادث وغيرها، على أن استخدام هذا الحق يتقاطع بصورة مباشرة مع المادتين ٣٧ و٣٨ من اتفاقية شيكاغو نفسها.

حيث تنص المادة ٣٧ على: اعتماد المعايير والإجراءات الدولية، إذ تتعهد كل دولة متعاقدة بالتعاون في تأمين أعلى درجة من التوحيد في اللوائح والمعايير والإجراءات والتنظيمات المتعلقة بالطائرات وأفرادها والطرق الجوية والخدمات المعاونة، في جميع المسائل التي يكون فيها هذا التوحيد عملياً ويسهم في تحسين الملاحة الجوية.

وتنص المادة ٣٨ على الإخطار عن أوجه الاختلاف:
(إذا وجدت دولة متعاقدة أنه من غير العملي لها أن تلتزم كلياً بأي معيار دولي أو إجراء دولي، أو أن تُدخل على لوائحها أو ممارساتها تعديلاً يتفق تماماً مع أي معيار أو إجراء دولي بعد تعديله، أو إذا رأت ضرورة لاعتماد لوائح أو ممارسات تختلف في أي جانب عن تلك التي يحددها معيار دولي، وجب عليها أن تُخطر المنظمة الدولية للطيران المدني فوراً بالفروق القائمة بين ممارساتها الوطنية والممارسات الدولية المعتمدة.
وفي حالة تعديل أي معيار دولي، يجب على أي دولة متعاقدة لا تُدخل التعديلات المناسبة على لوائحها أو ممارساتها أن تُخطر المجلس خلال ستين يوماً من اعتماد التعديل، أو أن تُبيِّن التدابير التي تعتزم اتخاذها.
ويجب على المجلس أن يُبلغ الدول المتعاقدة الأخرى فوراً بهذه الفروق).

إذن، بقراءة هذه المواد يتبين لنا أن الدولة يمكنها أن تحدد، وفق أولوياتها الداخلية، اتباع التوصيات المتعلقة بالهيكل التنظيمي لأمن الطيران وتبعيته، سواء بالفصل أو بالإبقاء عليه داخل السلطة، مع وجوب اتخاذ إجراءات واضحة تعزز الرقابة دون مخالفة القواعد القياسية في تقديم الخدمة، وتُبلغ المنظمة الدولية بتلك الإجراءات، والتي تكون بطبيعة الحال مساوية أو أكثر من المطلوبات الدولية.

وكما هو الحال المطبق بالنسبة لوجود الملاحة الجوية داخل السلطة مع وجود جسم رقابي لها داخل الهيكل التنظيمي نفسه، والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه: لماذا تكون الملاحة داخل السلطة وأمن الطيران خارجها؟

وللإجابة على هذا السؤال يجب الرجوع إلى قانون سلطة الطيران المدني لسنة 2018، والذي هو نسخة معدلة من قانون تنظيم الطيران المدني لسنة 2010، والذي أوضح في المادة ٦ اختصاصات السلطة، ومع ربطها بالمادة ٧١ من قانون سلامة الطيران المدني نجد أن القانون أوكل مسألة تقديم خدمة الملاحة الجوية إلى السلطة بما يطابق مطلوبات المادة ٢٨ من اتفاقية شيكاغو، وهو الأمر الذي لم يتم النظر إليه بعناية حينما تم ضم أمن الطيران إلى السلطة.

وبذلك غاب الاختصاص عن المادة ٦، ولم يُضمن بوضوح كما تم في المادة ٧١ من قانون سلامة الطيران المدني، مما جعل الكثير من العقبات تظهر فيما يتعلق بتعديل الهيكل التنظيمي للسلطة لاستيعاب الجسم التشغيلي لأمن الطيران، بما يسمح بإنشاء الوظائف المختلفة لينال منسوبو أمن الطيران حقهم الطبيعي في الترقّي والتدرج وفقاً لهيكل تنظيمي مسنود باختصاص واضح في قانون سلطة الطيران المدني وقانون سلامة الطيران المدني.

ويبقى القرار بيد الدولة وخياراتها، بمشاورة أهل الشأن، في أين تريد أن تضع أمن الطيران، وإسناد تلك الوضعية بالقوانين التي تبيح لها كافة الخيارات بما يحقق المصلحة العامة.

ومن المهم جداً أيضاً طرح موضوع التبعية على ضوء الواقع الذي أفرزه تمرد مليشيا الدعم السريع وتدميرها للبنية التحتية لقطاع الطيران من منشآت الملاحة الجوية والمطارات والطائرات، وما يفرزه هذا التمرد، والذي وبعزيمة جيشنا الأبي والقوات المساندة أوشك بإذن الله على نهايته قريباً، من تهديدات مستمرة تطال مطاراتنا ومنشآت الملاحة وأنظمتها، مما يستوجب النظر برؤية جديدة تستوعب هذا الواقع وما يتطلبه من تطوير للكادر البشري والحفاظ عليه، ومواصلة تدريبه وتأهيله، وكذلك توفير الأجهزة الحديثة لقمع أي تهديد لأمن الطيران مادياً أو سيبرانياً.

وهنا يثور السؤال عن استخدام عوائد قطاع الطيران والتي ستعود قريبا بفتح المجال الجوي باذن الله لاعادة الاعمار بصورة سريعة ويسمح توفير الموارد اللازمة للحفاظ على أعلى مستويات الأمن والأمان، وقفل كل ملاحظات تقارير التدقيق الخاصة بتدريب الكوادر البشرية والحفاظ عليها، وتوفير الأجهزة والمعدات، وتطوير جودة الخدمات المقدمة بأمن الطيران، ووجوب عمل موازنة دقيقة، والمقارنة بين قفل ملاحظة واحدة تستهدف مسألة الفصل وعدم النظر إلى عشرات التوصيات الأخرى مما ذكرناه في توفير مستويات قياسية بالأمن في قطاع الطيران المدني لايمكن تحقيقها في انعدام الموارد المطلوبة وغياب الاستقرار الوظيفي للكادر البشري المؤهل.

إن مسألة التبعية تستوجب في هذا الوقت النظر إليها بكثير من العناية بما يحقق مصلحة الدولة العليا، مع ملاحظة أن المطلوبات الدولية يمكن تطويعها بخلق البدائل الكافية، ووضع ذلك ضمن إطار قانوني وتنظيمي يستجيب لتلك المطلوبات دون خرقها، مع وجود اتفاقية خدمات واضحة الحدود والمعالم مع شركة المطارات تُفصل فيها المسائل الفنية والإدارية والمالية بصورة واضحة، وتُعالج فيها كافة التقاطعات.

ومما لا شك فيه أن وجود إدارات متفهمة وواعية لدورها الوطني بالسلطة والمطارات، ومن أشد الناس حرصاً على المصلحة العامة، سيعبر بمسألة التبعية بكل حكمة في ظل الاستهداف الكبير للدولة السودانية، وبما يحقق المطلوبات الدولية وفقاً لمصالح السودان العليا ٠

Exit mobile version