“الحيدر” في مقال: غياب الإنسان خلف بطاقة التأمين
تناول الكاتب محمد الحيدر في مقاله بجريدة “الرياض” مشهدًا بات يتكرر في عدد من المنشآت الصحية الخاصة، حيث يسبق السؤال عن التأمين الطبي التحية والفحص، في ممارسة تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول ترتيب الأولويات، وتضع القيم الإنسانية للمهنة الطبية في مواجهة مباشرة مع الاعتبارات المادية.
وإلى تفاصيل المقال:
في اللحظة التي يطأ فيها المريض عتبة العيادة الطبية، محمّلًا بالألم والقلق، يُفترض أن يجد ما يطمئنه ويخفف عنه، غير أن الواقع في كثير من المنشآت الصحية الخاصة يرسم صورة مغايرة، إذ يتحول سؤال «عندك تأمين طبي؟» إلى حاجز إداري ونفسي يسبق أحيانًا حتى الترحيب، في مشهد يعكس خللًا في جوهر العلاقة بين الطبيب والمريض.
هذا السلوك كان محل انتقاد أخيرًا من مستشار الصحة العامة وخبير تعزيز الصحة الدكتور صالح الأنصاري، الذي عبّر عبر قناة السعودية عن قلقه من تحوّل الإجراء التنظيمي إلى أداة فرز تمس كرامة المهنة، وتختزل الرسالة الطبية في معادلات استثمارية، على حساب بعدها الإنساني.
ولم يقف طرح الأنصاري عند الجانب الأخلاقي، بل كشف عن واقع صحي مقلق، مشيرًا إلى أن نحو 90 في المئة من المواطنين يعانون من مشكلة «مقاومة الإنسولين»، وهي حالة شائعة وصامتة، يعيشها كثيرون دون تشخيص، رغم خطورتها على المدى البعيد.
وتُعد مقاومة الإنسولين مرحلة تسبق الإصابة بمرض السكري، يفقد فيها الجسم قدرته على استخدام الهرمون بكفاءة، ما يدفع البنكرياس إلى العمل بطاقة مضاعفة قبل أن يصل إلى مرحلة الإنهاك. ووفق الأنصاري، فإن هذه المرحلة قد تمتد من 10 إلى 15 عامًا، دون أن تُكتشف في معظم الحالات.
المفارقة، كما يوضح الكاتب، أن النظام الطبي يكتفي غالبًا بفحوصات السكر التقليدية، ليغادر المريض العيادة مطمئنًا، بينما جسده يعيش مرحلة «ما قبل المرض» بصمت، في ظل غياب فحص مقاومة الإنسولين عن الممارسات الروتينية.
ويطرح المقال تساؤلًا جوهريًا حول أسباب تجاهل هذا الفحص، ليشير الأنصاري إلى أن غياب العلاج الدوائي المباشر جعله خارج دائرة الاهتمام، في منظومة طبية ترتبط فيها الفحوص بوجود أدوية تُوصف وتُدار عبر شركات التأمين.
فمقاومة الإنسولين، بحسب المختصين، لا تُعالج بحبة دواء، بل بتغيير نمط الحياة، من خلال الحركة والمشي وضبط التغذية، وهي حلول لا تجد لها مكانًا في فواتير التأمين ولا في حسابات الربحية للمنشآت الصحية.
ويرى الكاتب أن هذا الواقع يضع الجميع أمام اختبار أخلاقي حقيقي، حول دور الطبيب في الوقاية والتنبيه المبكر، لا الاكتفاء بالعلاج بعد وقوع المرض، مؤكدًا أن ربط القرار الطبي بنوع بطاقة التأمين يُفقد المهنة استقلاليتها، ويحوّل المريض من إنسان يبحث عن الشفاء إلى عميل في سوق خدمات.
ويخلص المقال إلى أن الطب، في جوهره، رسالة إنسانية قبل أن يكون صناعة، وأن المبدأ الذي يجب أن يتصدر كل ممارسة صحية هو واحد لا يقبل الجدل: صحة الإنسان أولًا.
سبق
