سودافاكس ـ في شارع (47) بالعمارات، توقفتُ على جانب الطريق وأنا في انتظار أحدهم، تناولتُ علبة طعام وبدأتُ في تناول وجبة الإفطار، و كانت وقتها الساعة تشير إلى الثالثة عصراً، وقد بلغ مني الجوع مبلغا،ً لم تمضٍ لحظات حتى أطلّ عليّ طفل في التاسعة من عمره من خلف زجاج السيارة، كان يرتديّ زيّ المدرسة ويحمل حقيبته على ظهره؛ الحقيبة والملابس تقاسمتا معاً التواضع والبؤس .
في البدء توقعتُ أنه يريد أن يتسوّلني إفطاري، كما جرت العادة في شوارع الخرطوم، حيث يتقاسم المتسوّلون معك أيّ شيء تتناوله كيفما اتفق. فأنزلتُ الزجاج لأحادثه، لكنه لم ينظر قط إلى طعامي، بل نظر في وجهي مباشرة وهو يقول : (عاوزة أغسل ليك العربية)، هكذا نطقها بكل كبرياء وأنفة، وكأنه يسخر من فكرتي في تسوّله.
قبل أن أفيق من دهشتي، انضمّ إليّ الشخص الذي كنتُ أنتظره، سلمّ علي الطفل باسمه ومنحه مفاتيح سيارته لغسلها، سألتُه: كيف يغسل سيارتك؟!هذا الطفل صغير جداً على مثل هذا العمل!!
فأجابني بأنه زبون دائم لديه، ويجيد غسل السيارات، وهو طفل ذكي و أمين، كما أنه معروف لديهم؛ يعود من المدرسة يومياً ويغسل السيارات على امتداد الشارع.
لم تمضٍ برهة حتى أخرج الطفل (أحمد) من حقيبته المدرسية، ومن بين الكراسات والكتب، خرقة نظافة بلون المعاناة، وعلبة صابون سائل، ثم دخل إلى ممر في بهو العمارة التي نقف أمامها، وعاد وهو يحمل دلواً مليئا” بالماء. بدا واضحاً أنه يخزّنه هناك،كما بدا واضحاً أنه لا يستطيع حمله.
ترجّلتُ من السيارة، وأمسكتُ بيده ووقفتُ معه تحت ظل شجرة. في البدء توجّس مني، لكنه ما لبث أن أطلق ابتسامة صافية وضحكة عذبة حين طلبتُ صورة “سليفي” معه كذكرى .
سألته عن دراسته، فأجابني بأن ترتيبه الخامس على مستوى الفصل، و أن والده متوفّى، ولديه أشقاء أصغر منه لا عائل لهم، وهو ينفق على إخوته من عمله في غسل السيارات.
كان يتحدث معي بكبرياء وأنفة، ينظر في عيني مباشرة، وكأنه يسألني: (وماذا بعد أسئلتك تلك؟)، أحسستُ حينها بالضآلة والخجل والذل والانكسار: ماذا عساي أقول لك يا صغيري؟!!وبماذا أحدثك؟.
هل أحدثك عن وزارة رعاية اجتماعية تنفق ملايين الجنيهات للاحتفال بتسليم طرد رمضاني لأسرة فقيرة كل عام؟ أم أحدثك عن مجلس الطفولة الذي يبرع في إقامة الورش وتوزيع المرطبات احتفاءً بتدريب بعضهم على أهمية نبذ العنف ضد الأطفال ومحاربة عمالة الأطفال؟ أم أحدثك عن وزارة تربية وتعليم لا تشعر ولا تعلم أن بعض طلابها يعملون بدوامٍ ثانٍ، ولا يتفقد أحدهم يديك المعروقتين من غسل السيارات إلا بحثاً عن رسوم الامتحان؟
هل أحدثك عن ديباجة قانون الطفل المصقولة والموضوعة بعناية على مكتبة مجلس الوزراء، والتي من أهم بنودها تجريم عمالة الأطفال؟ هل أحدثك عن مجتمعٍ صام عنه المعروف وتفقد الآخر، وكل ما يهمه أن تُغسل إطارات السيارة جيداً، وألا تترك آثار قلم الحبر الذي بين يديك على المرآة، ولا يهم حينها إن ابتلت كراستك بمياه الخرقة؟
ماذا أقول لك يا صغيري؟ نظّف تلك السيارة، ولكنك لن تنظّف قلوبنا المثلجة، اغسل تلك السيارة، ولكنك لن تستطيع غسل عار أمةٍ يعول أطفالُها كبارَها.
خارج السور :
عزيزتي وزيرة الرعاية الاجتماعية،
لماذا لا تجرّبين تناول وجبة إفطارك الدسم بعيداً عن التكييف ومكتبك الوثير؟ لماذا لا تحاولين تناول طعامك مع أحمد وأشقائه، وهم كثر؟ صدقيني، لن يقاسمك أحمد إفطارك، لكنه سيغسل سيارتك جيداً.
غداً يكون قد مضى على كتابة هذا المقال عشر سنوات .ما دعاني إلى إعادة نشره شخصيةٌ رفيعة التقيتُ بها هنا في أديس وذكرتني بأنها تتابعني منذ ما قبل مقال ” غسّال الوزيرة”، فرأيتُ أن أشارككم، أصدقاء الصفحة، هذا المقال.
كُتب في 16فبراير 2016
سهير عبد الرحيم
