ترقيات الطيران المدني “كلاكيت وحجوة لا تنتهي”..حين يتكرر الخطأ: قراءة قانونية في أزمة ترقيات الطيران المدني
إبراهيم عدلان
في لقاءٍ إسفيريٍ مطوّل، تجاذبتُ أطراف الحديث مع أحد شباب الطيران المدني ممّن يُشار إليهم بالبنان في دوائر المعرفة المهنية، وأحسبه من القادمين بقوة لما يتقد به من شغفٍ بعمله وروحٍ متوثّبةٍ لسبر أغوار المهنة. وقد دار بيننا حديث مطوّل حول الترقيات الأخيرة وما شابها من ملابسات، فعلمت منه — وللمفارقة — أنه أحد الذين تجاوزهم الاستحقاق الوظيفي مرة أخرى. وخلال النقاش، بعث إليّ بتظلّمٍ كان قد حرّره في العام 2019، فكانت المفاجأة أن ما أورده فيه من مسوّغاتٍ قانونية وأسانيد إجرائية للطعن في ترقيات ذلك العام، هو ذاته — حرفاً وروحاً — ما يصلح للاستناد إليه اليوم لو أنه اكتفى بتغيير التاريخ فقط.
هذه الواقعة، في دلالتها القانونية والإدارية، لا تعبّر عن حالة فردية معزولة، بل تكشف عن نمطٍ متكررٍ من الخلل المؤسسي في منظومة الترقيات، حيث تتشابه الأسباب وتُعاد النتائج وتبقى العلل قائمة دون معالجة جذرية. ومن ثمّ فإن هذه المقدمة لا تُروى على سبيل السرد، بل تمثّل مدخلاً موضوعياً للإسقاط القانوني على واقع الترقيات الراهن، تمهيداً لبيان مدى انطباق الدفوع السابقة على الإجراءات الحالية، وقياس مدى مشروعية ما تم في ضوء ذات النصوص والضوابط الحاكمة.
أولاً: التطابق البنيوي بين الماضي والحاضر
القراءة المتأنية لمذكرة التظلّم المحررة في عام 2019، عند إسقاطها على وقائع الترقيات الأخيرة، لا تفضي إلى مجرد تشابهٍ عرضي في الملابسات، بل تكشف عن تطابقٍ بنيوي في أسباب الخلل وإجراءاته ونتائجه. فالعناصر التي شكّلت في حينها أساس الطعن — من غياب النظم المعتمدة للموارد البشرية، وضعف الشفافية، وانعدام توصيفٍ وظيفيٍ قانوني، وارتباك العلاقة بين الدرجة والوظيفة، وعدم إعلان معايير المفاضلة — هي ذاتها العناصر التي تحيط بالإجراءات الحالية دون أن يطرأ عليها تصحيح جوهري.
وهذا التطابق لا يُفسَّر إدارياً على أنه مصادفة، بل يُعدّ قرينة موضوعية على استمرار ذات المنهج الذي سبق الاعتراض عليه، بما يجعل القرارات الأخيرة امتداداً إجرائياً لقرارات سابقة مطعون في مشروعيتها. ومن ثمّ، فإن الحجج القانونية التي تأسس عليها التظلّم السابق لا تفقد قوتها بمرور الزمن، بل تزداد حجّيتها متى ثبت أن الوقائع المتنازع عليها قد أُعيد إنتاجها بذات الصورة، إذ إن استقرار المخالفة عبر الزمن يحوّلها من خطأٍ إداريٍ عابر إلى خللٍ هيكليٍ مستمر.
ثانياً: شهادة الخبرة الإدارية وتأكيد المبدأ القانوني
وسقتُ ما توصّلتُ إليه من وقائع ودفوع إلى أحد كبار المختصين بديوان شؤون الخدمة، وهو من ذوي الخبرة الطويلة في تفسير وتطبيق تشريعات الخدمة المدنية، فأفاد — استناداً إلى الوقائع المعروضة — بأن المعالجة القانونية الممكنة لا تقف عند حدود النظر في حالات فردية، بل تمتد لتشمل ترقية جميع من ثبت تظلّمهم متى ثبت أن إجراءات الترقيات شابها خلل إجرائي أو قانوني مؤثر.
وهذه الإفادة، وإن كانت استشارية في طبيعتها، إلا أنها تكتسب وزناً تفسيرياً مهماً، لأنها صادرة عن جهة خبرة فنية مختصة، ولأنها تؤكد مبدأً مستقراً في الفقه الإداري مفاده أن بطلان الأساس الإجرائي ينسحب أثره على جميع النتائج المترتبة عليه، لا على بعضِها دون بعض. وعليه، فإنها تشكّل قرينة داعمة للرأي القائل إن تصحيح الخطأ — إن ثبت — يجب أن يكون شاملاً لا انتقائياً.
ثالثاً: واقعة مستندية كاشفة لبعدٍ خفي في الأزمة
وعلمتُ كذلك، من خلال نقاشٍ لاحق مع أحد مسؤولي أمن الطيران، بمعلومةٍ ذات دلالةٍ إجرائية بالغة الأهمية تتصل بجذور الأزمة لا بنتائجها فحسب؛ إذ أفاد بأن الطلب الذي كنتُ قد تقدّمتُ به في أواخر أغسطس 2021 إلى ديوان شؤون الخدمة لإنشاء عددٍ من الوظائف دعماً للهيكل التنظيمي لأمن الطيران، قد حظي بموافقة الديوان فعلياً بخطابٍ رسمي مؤرخ في 30 سبتمبر 2021. غير أن الرد — بحسب ما ورد — وصل بعد مغادرتي الموقع في 26 أكتوبر 2021، وهو ما قد يفسّر عدم علمي به في حينه.
غير أن ما يثير التساؤل المشروع ليس توقيت وصول الخطاب، بل ما تلاه؛ إذ تشير الوقائع إلى أن هذا التصديق لم يُعلن ولم يُفعّل، بل تم إخفاؤه تماماً عن التداول المؤسسي، دون أن تتضح الجهة التي اتخذت قرار حجبه: أهي الإدارة العامة اللاحقة أم إدارة الموارد البشرية؟ وهو تساؤل لا يُطرح على سبيل الظن، بل على سبيل التكييف الإداري؛ لأن حجب مستندٍ تأسيسي يترتب عليه تعديل في الهيكل الوظيفي لا يُعد مجرد إجراء داخلي، بل فعل إداري مؤثر في الحقوق الوظيفية ومسارات الترقي.
وتكمن أهمية هذه الواقعة في أنها — إن ثبتت — تقدّم تفسيراً موضوعياً لاستمرار حالة الانسداد الهيكلي التي استُخدمت لاحقاً مبرراً لعدم الترقي، بينما الحقيقة المحتملة أن وظائف معتمدة قانوناً كانت موجودة بالفعل ولكنها لم تُفعّل. وفي هذه الحالة، فإن المسؤولية لا تعود إلى غياب الوظائف، بل إلى تعطيلها، وهو فارق جوهري في التكييف القانوني؛ لأن الأول ظرف تنظيمي، أما الثاني فقرار إداري ضمني يترتب عليه أثر قانوني.
رابعاً: الدلالة القانونية لتكرار المخالفة
في الفقه الإداري، لا يُنظر إلى الخطأ المتكرر باعتباره مجرد تكرار زمني، بل باعتباره دليلاً على خللٍ في النظام ذاته. فإذا كانت المخالفة قد حدثت مرة واحدة جاز تفسيرها بالسهو أو سوء التقدير، أما إذا تكررت بذات الصورة رغم التنبيه السابق إليها، فإنها تكتسب وصف “العيب الهيكلي” الذي يمس سلامة الإجراء من أساسه.
ومن ثمّ فإن القضية المطروحة لم تعد نزاعاً حول أحقية أفراد في الترقية، بل أصبحت مسألة تتعلق بمشروعية منظومة كاملة، لأن صحة النتائج لا يمكن أن تقوم على إجراءات معيبة، كما أن العدالة الوظيفية لا تتحقق إذا اختلف التطبيق بينما النص واحد.
خامساً: مقتضى المشروعية الإدارية
إن مقتضى مبدأ المشروعية — وهو حجر الأساس في القانون الإداري — أن تلتزم الإدارة في قراراتها باللوائح والنظم المعتمدة، وأن تكون إجراءاتها قابلة للتحقق والمراجعة. فإذا غابت المعايير المعلنة، أو لم تتوافر نظم تقويم الأداء، أو لم يكن هناك توصيف وظيفي معتمد، فإن القرار الإداري يفقد قرينة السلامة التي يتمتع بها أصلاً، ويصبح عرضة للإلغاء أو التصحيح متى طُعن فيه.
وهذا ما يجعل المطالبة بإعادة فحص إجراءات الترقيات ليست مطالبة استثنائية، بل تطبيقاً طبيعياً لمبدأ سيادة القانون داخل المؤسسة.
الخلاصة الترافعية
إن ما حدث في ملف الترقيات لا يمكن قراءته كواقعة إدارية منفصلة، بل ينبغي فهمه في سياقه التراكمي الذي يكشف عن خللٍ مستمر لم تتم معالجته رغم التنبيه إليه سابقاً. واستمرار ذات الأسباب التي طُعن بسببها في إجراءات سابقة ينهض دليلاً كافياً على أن الإشكال في المنظومة لا في الأشخاص، وفي القواعد التطبيقية لا في الحالات الفردية.
وعليه، فإن مقتضى العدالة الوظيفية وسلامة المشروعية الإدارية يفرضان إعادة النظر في إجراءات الترقيات الأخيرة فحصاً شاملاً، والتحقق من مدى التزامها بالضوابط القانونية، مع تصحيح أوضاع كل من ثبت تضرره متى ثبت الخلل، لأن العدالة الإدارية لا تتجزأ، ولأن المساواة أمام القواعد الوظيفية ليست خياراً تنظيمياً بل التزام قانوني.
فالمؤسسات لا تستقيم بهياكلها وحدها، بل تستقيم حين يثق منسوبوها بأن حقوقهم تُدار بالقانون لا بالاجتهاد، وبالمعايير لا بالتقدير، وبالعدل لا بالاستثناء.
