في ذكرى التأسيس..كيف صنعت السعودية نفوذها القوي في المنطقة

ثمة تواريخ لا تُستعاد بوصفها مجرد صفحات من الماضي، بل تُقرأ باعتبارها مفاتيح لفهم الحاضر واستشراف المستقبل. في مثل هذه اللحظات التاريخية لا يكون السؤال ماذا حدث؟ بل كيف استمرت الفكرة؟ وكيف تحولت البدايات إلى نهج مستدام في إدارة الدولة والتأثير؟

تجربة المملكة العربية السعودية تنتمي إلى هذا النوع من التأسيس الذي لم يتوقف عند إعلان قيام الدولة، بل تبلور كمسار ممتد من البناء المؤسسي وترسيخ الاستقرار وتعزيز الحضور الإقليمي والدولي بهدوء وثبات.

طبيب سعودي يوضح أفضل توقيت لأدوية القلب في رمضان ويحذر من شرب الماء قبل الفجر

يوم التأسيس.. قراءة في الجذور السياسية للدولة

يمثل يوم التأسيس محطة رمزية تتجاوز استعادة الحدث التاريخي، ليصبح مدخلاً لفهم فلسفة الدولة السعودية في إدارة التوازنات. فالدولة التي تأسست على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727، استطاعت أن تحافظ على كيانها في محيط إقليمي شديد الاضطراب، وأن تحول الاستقرار من خيار داخلي إلى دور إقليمي فاعل.

من الاستقرار الداخلي إلى التأثير الإقليمي

منذ انطلاقتها الأولى، قامت السعودية على مفهوم الدولة المستقرة في بيئة غير مستقرة، وهو خيار مبكر أسهم في جعلها مع مرور الوقت طرفًا أساسيًا في معادلات المنطقة. لم يُبنَ نفوذها عبر المغامرات، بل عبر تراكم هادئ للقوة السياسية والاقتصادية والدبلوماسية، ما منحها قدرة على لعب أدوار محورية في لحظات الأزمات.

سياسة الاحتواء بدل التصعيد

إقليميًا، تبنّت الرياض نهج الاحتواء وإدارة التناقضات بدلاً من تأجيجها. من اليمن إلى السودان، ومن الخليج إلى المشرق العربي، ظهرت السعودية كوسيط يسعى إلى فتح قنوات الحوار حين تُغلق، وإلى منع الانفجار حين يقترب. هذا الأسلوب القائم على التوازن أكسبها ثقة أطراف متباينة، وجعلها وسيطًا مقبولًا في ملفات معقدة.

ثقل دولي في ملفات الطاقة والاستقرار الاقتصادي

دوليًا، انتقلت المملكة من شريك اقتصادي مؤثر إلى فاعل سياسي في قضايا الاستقرار العالمي، خاصة في ملف الطاقة. قراراتها في أسواق النفط تنعكس مباشرة على معدلات التضخم وسلاسل الإمداد والأمن الاقتصادي لدول كبرى، ما عزز موقعها التفاوضي وأعاد تعريف دورها في النظام الدولي.

دبلوماسية هادئة في ملفات السلام

كما برزت السعودية في مقاربة النزاعات الدولية من خلال استضافة محادثات، وفتح قنوات خلفية بين خصوم، ودعم مسارات التهدئة. لم تقم مقاربتها على استعراض سياسي، بل على إدارة هادئة للأزمات، أحيانًا عبر منع الانهيار وتأجيل التصعيد، وأحيانًا بخلق فرص جديدة للحوار.

استمرارية النهج لا البحث عن دور جديد

في هذا السياق، لا يُعد يوم التأسيس احتفاءً بتاريخ مضى فحسب، بل تأكيدًا على استمرارية نهج سياسي قائم على العقلانية والتوازن وفهم عميق لمعادلات القوة. فالسعودية اليوم لا تبحث عن دور جديد بقدر ما تدير دورًا قائمًا، تتطلبه المنطقة ويحتاجه العالم في مرحلة تتراجع فيها قدرة كثير من الدول على لعب أدوار جامعة.

إن بناء الدولة قبل قرابة ثلاثة قرون لم يكن حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل استثمارًا طويل الأمد في الاستقرار الإقليمي والدولي. وهذا هو جوهر الرسالة التي يعكسها يوم التأسيس: دولة تدرك وزنها، وتستخدمه حين يجب، وتضبطه حين يلزم.

Exit mobile version