سودافاكس ـ بصفتي أحد أبناء هذا الصرح الوطني، ورغم أنني بالمعاش، إلا أن قلبي يكاد ينفطر ألماً حين علمت بأن اللجنة العليا لإعادة الإعمار تعتزم إزالة مستودعات الشحن الجوي التابعة لسودانير. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: هل أصبحت إعادة الإعمار مرادفاً للهدم؟ وهل يبدأ بناء الوطن بتدمير مؤسساته الوطنية؟
إن ما قد يجهله البعض أن مخططات التوسعة الأساسية للمطار لم توضع اعتباطاً، بل أعدها خبراء ومختصون منذ زمن بعيد، واضعين في الحسبان متطلبات السلامة الجوية وانسيابية التشغيل المدني. وقد نصّت تلك المخططات على أن التوسعة المستقبلية ينبغي أن تتجه نحو صالة كبار الزوار ومباني القيادة العامة، باعتبارها مناطق تتعارض مع الحركة المدنية الجوية. فإذا كانت هناك نية حقيقية للتطوير، فلماذا لا يُسترشد بهذه المخططات الهندسية التي تتوافق مع اشتراطات الملاحة الجوية والممرات التشغيلية؟
الأمر الذي يثير الريبة حقاً هو أن إزالة مستودعات الشحن التابعة لسودانير قد تفتح الباب عملياً لتمكين جهات أخرى لتحل محل الناقل الوطني في نشاط الشحن الجوي، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أهداف هذه القرارات وتوقيتها ودوافعها.
كما أن تدخل شركة مطار الخرطوم في العمل الفني والتشغيلي يثير إشكاليات قانونية ومهنية، إذ إن دورها بطبيعته تنظيمي وإشرافي، لا تشغيلي. وفي التجارب الدولية المقارنة — سواء في السعودية أو مصر أو إثيوبيا أو كينيا — يظل الناقل الوطني هو العمود الفقري للخدمات الأرضية وعمليات الشحن وخدمة الركاب، لما لذلك من بعد سيادي و اقتصادي واستراتيجي.
إن المساس بمقدرات سودانير ليس مجرد إجراء إداري عابر، بل هو قرار يمس تاريخ الطيران السوداني وذاكرة الوطن الاقتصادية، ويهدد أحد رموز السيادة الوطنية في قطاع النقل الجوي.
ومن هنا، فإنني أناشد السيد كامل إدريس رئيس مجلس الوزراء
، بالتدخل العاجل لإيقاف هذه القرارات إلى حين مراجعتها فنياً وقانونياً، حفاظاً على ممتلكات الشعب السوداني، وصوناً لمؤسساته الوطنية من التفكيك غير المدروس.
فالأوطان لا تُبنى بإزالة أعمدتها، ولا تُعمر بهدم أجنحتها.
و إذا كانت الخرطوم تستحق الإعمار، فإن سودانير تستحق الحماية.
رغم أنني اليوم في مرحلة التقاعد، بعد سنوات من العطاء والعمل، فإنني ما زلت أرى نفسي واحداً من أبناء هذا القطاع الذين يشعرون بوطأة هذا القرار وتداعياته.
و إني أناشد دولة رئيس مجلس الوزراء، والسيد وزير المالية بصفته رئيس مجلس إدارة الخطوط الجوية السودانية (سودانير)، بالتدخل العاجل لإيقاف هذه القرارات، حفاظاً على ممتلكات تُعد جزءاً لا يتجزأ من تاريخ الشعب السوداني وإرثه الوطني.
فالأوطان إنما تُبنى وتتطور بصون تراثها التاريخي، خاصة حين يكون تراثاً ناجحاً ومعبّراً عن هوية الدولة، وهو ما يستوجب الحماية و الرعاية من مؤسسات دولتنا.
إن أنظارنا تتجه إليكم، دولة رئيس الوزراء، لاتخاذ القرار المناسب الذي يصون هذا الإرث الوطني ويحفظه للأجيال القادمة.
طيران بلدنا
