سودافاكس ـ بهجوم مليشيا الدعم السريع على منطقة مستريحة بشمال دارفور امس و أول من أمس ، و استهداف الشيخ موسي هلال زعيم المحاميد ومحاولة تصفيته واحتلال أرضه ومنطقته وباديته المعروفة ، تعود إلى الواجهة نسخة جديدة من الخلاف بين هلال و قيادة مليشيا الدعم السريع ، وهو خلاف مستعر منذ نهاية العام 2005م ، ولم تفلح محاولات عديدة داخل قبيلة الرزيقات على إحتوائه من ذلك الوقت ، ولا الجهات الرسمية التي سعت في فترات متباعدة إلى لجم أحصنة الخلاف غير المروضة .
قبل الخوض في التفاصيل حول العداء ما بين الشيخ موسي و قيادة المليشيا ، يجب الإقرار بأن قيادة المحاميد إنعقدت لموسي هلال بتطور طبيعي وفق نظم وتقاليد القبيلة المتوارثة حيث ورث القيادة من والده الشيخ هلال عبد الله الذي ظل على رأس المحاميد لما يزيد عن السبعين عاماً ، ثم تنازل عنها لإبنه الشيخ هلال قبل وفاته وقد بلغ عمر الشيخ هلال ما يزيد عن المائة أحد عشر عاماً عندما تولى ابنه الزعامة وهو ليس الابن الأكبر له ، وكان موسى فتياً شاباً ممتلئاً بالطموح والآمال معتداً برأيه و مبدياً إستقلال مواقفه ،وكان مثيراً للجدل بين الإدارات الاهلية الزعامات القبلية في كل دارفور ، ونتج عن ذلك خلافات مع السلطات في الإقليم كانت تؤدي به للسجن دائماً ، خاصة الخلاف بينه والفريق أول إبراهيم سليمان والى شمال دارفور سنة 2002 م فذهب للسجن حبيساً في بورتسودان ومدنى ، وأطلق سراحه عقب إندلاع تمرد دارفور والهجوم على مطار مدينة الفاشر في 25 ابريل 2003م ، ومشاركته عقب الخروج من السجن في الاستنفار الشعبي ضد الحركات المتمردة آنذاك ، ثم تعيينه مسؤولاً لقوات حرس الحدود .
ولم يكن لمحمد حمدان دقلو ( حميدتي ) وقتذاك ذكر ولا صيت ، بعد يوم واحد من الهجوم علي الفاشر 2003م ، تحرك الفريق أول أدم حامد والى ولاية جنوب دارفور ورئيس لجنة أمن الولاية ، ومحافظ نيالا ادم جماع ادم ، لتكوين مجموعات للاستنفار الشعبي تحسباً لاي مهدد أمني او تمدد لعمليات التمرد في جنوب دارفور ، وتم تكوين أول مجموعة من المستنفرين بالولاية بقيادة المقدم ( م) صالح الزين وهو من أبناء قبيلة البني هلبة الذي عُهد إليه تكوينها ، وضمت المجموعة سعيد حسين ضي النور إبن عمدة الماهرية أولاد قايد في منطقة نيالا ، وشخص آخر يلقب بـ( زمبهارات ) من قبيلة المسيرية في منطقة نتيقة شمال نيالا ، ومحمد حمدان دقلو من الماهرية أولاد منصور من منطقة أم القرى شرق جبل مرة شمال منطقة الملم ، وتم تنسيق عمل هذه المجموعة مع الرائد حريكة محمد وهو من أبناء المسيرية وكان قائداً للدفاع الشعبي في قطاع نيالا ، أشرف على العمل التنسيقي والاستخباري المقدم محمد محمود من الاستخبارات العسكرية بقيادة الفرقة العسكرية 16 في نيالا .
تم استيعاب حميدتي كجندى ولم تمنح له أية رتبة عسكرية هو وبقية العناصر التي انخرطت في الاستنفار ، وقام حميدتي طوال الشهور الأولي بإستقطاب أبناء الماهرية في مناطق نيالا الشمالية والجنوبية و بعض بطون قبيلة الرزيقات الأخرى( العريقات والنوايبة والمحاميد ) ، ودخل في خلاف حاد مع العمدة عبد الله مصطفي أب نوبة عمدة الماهرية الشهير بمناطق حول نيالا بسبب محاولة حميدتي التمدد فوق صلاحيات الإدارة الاهلية ، ولم يحظ محمد حمدان دقلو من الفترة من مايو حتى ديسمبر 2003م برتبة أعلى الا بعد اظهار قدرته على جلب عناصر إضافية ، وبعض التائبين المفرج عليهم من السجون من أبناء القبائل العربية المدانين في قضايا النهب المسلح ومنح رتبة رقيب أول .
في هذا الوقت من أبريل حتى يونيو 2003م ، جرت تحركات حثيثة بين الحكومة وجهات أهلية تم بموجبها إطلاق سراح الشيخ موسي الهلال من السجن الذي أودع فيه من نهاية العام 2002م ، وتم الاتفاق معه على قيادة عملية الاستنفار الشعبي في كل دارفور ، ويكون هو المسؤول من قوات حرس الحدود الناشئة حينئذ ، وكان مدير الاستخبارات العسكرية الفريق عوض بن عوف على رأس هذه العملية يساعده في إدارة هذا الملف العقيد الركن يومذاك عبد الفتاح البرهان وضباط أخرين ، زار موسي هلال نيالا وإلتقي بالوالي وحكومته توجه إلى زالنجي و الجنينة والفاشر .
في هذا الوقت قسمت قوات حرس الحدود إلى مجموعات حسب المناطق وكلها تتبع للشيخ موسى ولكل منطقة حكمدار من الرقباء لقيادتها ، وكان نصيب محمد حمدان دقلو – حميدتى ، قيادة المجموعة حول منطقة نيالا تمتد من مناطق الملم شمال غرب نيالا حتى مناطق جامع اب عجورة وأم ضواً بان جنوبي نيالا بينما تتبع المناطق الأخرى بجنوب دارفور خاصة ديار قبائل ( بني هلبة و التعايشة و المسيرية والسلامات و الترجم والفلاتة و الرزيقات والمعاليا ) لحكمدارات أخرين .
بدأ الخلاف يدب بين موسى هلال وعدد من الحكمدارات ، بسبب إدارة الملف من قيادة الاستخبارات العسكرية ، وتذمر بعض الحكمدارات نتيجة للتحريض من أطراف أخرى ، وتمحور الخلاف حول النمر العسكرية وتوزيع الرتب والسلاح والسيارات القتالية ، وبدأ يسري وسط القوات رأياً مناهضاً للشيخ موسى هلال وقيادته ، وربما شعر بعضهم بالغيرة من الرجل نتيجة لصعود نجمه و تسليط وسائل الإعلام المحلية والعالمية اضواءها عليه ، وبعض الامتيازات التي حظي بها ، وقاد ثلاث من الحكمدارات مع نهاية العام 2005م العمل والتمرد على قيادة موسي هلال وهم ( النور القبة في شمال دارفور – ادريس حسن في غرب دارفور – محمد حمدان دقلو في جنوب دارفور ) وامتد الخلاف ضد الشيخ موسى إلى ضباط الجيش المسؤولين من إدارة حرس الحدود ، وتأزم الموقف الذي أدى لتمرد هؤلاء ( الحكمدارات الثلاث) في نهاية العام 2006 ، وأخذ حميدتي السلاح والمدافع والسيارات القتالية وفرّ خارج نيالا ، ولجأ أولاً إلى قيادة قبيلة الرزيقات في الضعين لكن الناظر الراحل سعيد محمود موسى مادبو رفض وجوده مع قواته هناك طلب منه المغادرة، وصار تائها في مناطق شرق الجبل وجنوب نيالا و أقصي جنوب دارفور، وغادر الى تشاد طلباً للدعم ووقع اتفاقاً هناك مع العدل والمساواة بحضور الرئيس الراحل ادريس دبي .
سعت قيادات من قبيلة الرزيقات في الخرطوم لاحتواء الموقف المتفجر في ولايات دارفور الثلاث بين ثلاثة قادة من حرس الحدود والدولة ، سافرت ثلاث وفود من قيادات القبيلة من الخرطوم وزارت القادة الثلاث في مناطق تواجدهم ( النور قبة – محمد حمدان دقلو– ادريس حسن ) في مواقعهم وتم استرجاعهم لحضن الدولة والقوات المسلحة ، وكان القرار الذي تم اتخاذه فصلهم بشكل نهائي عن الشيخ موسي هلال وتقليص صلاحياته ، ونشأت مع هذا الاجراء مراكز قوة جديدة في داخل دارفور ، وحلم القادة الثلاثة وفي مقدمتهم حميدتي بأنهم سيتساوون مع الشيخ موسي هلال وستتاح لهم نفس الفرص وسيحققوا المصالح وستكون لهم نفس المكانة ، فزادت الضغائن وسرت في الأوصال حمى التنافس وتوسع الفتق على الراتق …وكانت تلك الاحداث هي مقدمة لحدث مهم هو حل قوات حرس الحدود نفسها بعد ذلك بسنتين …
نواصل في الحلقة القادمة …
الصادق الرزيقي
