رحلة تاركو 208 إلى الدمام الاول من مارس ٢٠٢٦..بين حسابات السلامة الجوية وسؤال التقدير المهني!

رحلة تاركو 208 إلى الدمام الاول من مارس ٢٠٢٦..بين حسابات السلامة الجوية وسؤال التقدير المهني!

كتب:إبراهيم عدلان

في مساء يوم الأحد الأول من مارس، وعند الساعة الخامسة والنصف بتوقيت السودان، أقلعت طائرة تابعة لشركة تاركو للطيران تحمل الرقم 208 من مطار بورتسودان الدولي متجهة إلى مطار الملك فهد الدولي بالدمام في المملكة العربية السعودية.

وصلت الرحلة إلى الدمام حوالي الثامنة والثلث مساءً.

في الظروف الطبيعية، تبدو هذه رحلة اعتيادية ضمن جدول رحلات إقليمية بين السودان والمملكة العربية السعودية. غير أن ما يجعل هذه الرحلة موضع تساؤل هو الظرف الإقليمي الذي تمت فيه.

ففي ذلك التوقيت كانت المنطقة تعيش حالة توتر أمني وعسكري مع إعلان عدد من شركات الطيران العالمية والإقليمية تعليق أو إلغاء رحلاتها إلى بعض مطارات الخليج نتيجة المخاطر المحتملة المرتبطة بالتصعيد العسكري.

ومن بين الشركات التي أعلنت تعليق رحلاتها أو تعديل مساراتها في ذلك اليوم شركات كبرى مثل:
• الخطوط الجوية السعودية
• الاتحاد للطيران
• الخطوط الجوية القطرية
• الخطوط الجوية التركية
• بعض الشركات الآسيوية والأسترالية
• إضافة إلى شركات منخفضة التكلفة مثل فلاي ناس

وسط هذا المشهد، بدت رحلة تاركو 208 وكأنها الرحلة الوحيدة التي وصلت إلى مطار الدمام في ذلك التوقيت.

وهنا تبرز عدة أسئلة مهنية مشروعة.

أسئلة حول القرار التشغيلي

في صناعة الطيران، لا تُتخذ قرارات الإقلاع في ظروف التوتر الأمني بصورة فردية أو عشوائية، بل تمر عادة عبر عدة مستويات:
1. مركز العمليات في شركة الطيران (Operations Control Center – OCC)
2. تقييم المخاطر الأمنية (Security Risk Assessment)
3. إخطارات الملاحة الجوية (NOTAMs)
4. تقدير قائد الطائرة (Pilot in Command)
5. التنسيق مع سلطات الطيران المدني في دول الإقلاع والهبوط

لذلك يصبح من المشروع طرح الأسئلة التالية:
• من الذي اتخذ قرار تنفيذ الرحلة؟
• هل صدر القرار من مركز العمليات بالشركة أم كان اعتماداً على فتح المجال الجوي رسمياً؟
• هل كانت هناك نشرات NOTAM أو تحذيرات أمنية تؤثر على الرحلة؟
• كيف قيّم قائد الطائرة الموقف العملياتي قبل الإقلاع؟
• هل جرى تعديل المسار الجوي لتفادي مناطق الخطر؟

بين سوء التقدير والانضباط المهني

في الطيران المدني، هناك قاعدة أساسية تقول:

السلامة لا تُناقش بعد وقوع الحادث، بل تُدار قبل حدوثه.

ولهذا فإن تنفيذ الرحلات في بيئة متوترة أمنياً يمكن أن يفسر بثلاثة احتمالات رئيسية:
1. أن المجال الجوي كان مفتوحاً رسمياً ولم تصدر تحذيرات ملاحية تمنع الطيران.
2. أن الشركة اعتمدت على تقييم مخاطر مختلف عن بقية الشركات.
3. أو أن القرار اتخذ دون تقدير كافٍ للمخاطر.

لكن الجزم بأي من هذه الاحتمالات يتطلب تقصياً مهنياً دقيقاً.

لماذا تحتاج الواقعة إلى تحقيق مهني؟

الطيران صناعة تعتمد على التوثيق الكامل لكل قرار تشغيلي. لذلك فإن أي مراجعة موضوعية لهذه الرحلة ينبغي أن تشمل:
• مراجعة خطة الرحلة (Flight Plan)
• تحليل النشرات الملاحية الصادرة في ذلك اليوم
• الاطلاع على تقييم المخاطر لدى الشركة
• مراجعة اتصالات مركز العمليات مع الطاقم

مثل هذا التحقيق لا يهدف إلى إدانة أحد، بل إلى فهم كيفية اتخاذ القرار في ظروف استثنائية.

الدرس الأهم

الأحداث غير المتوقعة في المنطقة تذكرنا دائماً بأن إدارة المخاطر في الطيران لا تقل أهمية عن مهارة الطيار أو كفاءة الطائرة.

ففي عالم الطيران، قد تكون أكثر القرارات شجاعة هي قرار عدم الإقلاع.

ولهذا تبقى رحلة تاركو 208 مثالاً يستحق الدراسة، ليس من باب الاتهام، بل من باب تحسين ثقافة السلامة واتخاذ القرار في الطيران السوداني.

Exit mobile version