سودانير بين الكفاءة والمحاصصة

سودانير بين الكفاءة والمحاصصة

بقلم: حجازي بكري عثمان

جاء قرار رئيس مجلس الوزراء بحل مجالس إدارات المؤسسات الحكومية ليمنح الدولة فرصة نادرة لإعادة ترتيب مؤسساتها على أسس صحيحة، غير أن الاختبار الحقيقي لهذا القرار سيظهر في كيفية إعادة تشكيل مجالس الإدارات، خاصة في القطاعات الحساسة مثل قطاع الطيران.

فصناعة الطيران ليست مجرد مؤسسة إدارية تُدار بمنطق توزيع المقاعد بين الوزارات، بل هي صناعة عالية التعقيد تقوم على الخبرة الفنية المتخصصة والمعرفة الدقيقة بطبيعة التشغيل والاقتصاديات والقوانين الدولية المنظمة لهذا القطاع. لذلك فإن أي مجلس إدارة لشركة الخطوط الجوية السودانية لا يقوم على الكفاءة المهنية والخبرة العملية سيكون مجرد إعادة إنتاج للأزمات التي عانت منها الشركة لسنوات طويلة.

إن سودانير ليست مجرد شركة حكومية، بل هي رمز وطني وتاريخ مهني عريق، وما تحتاجه اليوم ليس مجلس إدارة قائم على المحاصصة بين المؤسسات، بل مجلس مهني من أصحاب الخبرة الذين عملوا في قطاع الطيران ويعرفون تفاصيل هذه الصناعة وتعقيداتها.

ولعل من المهم الاعتراف بأن ما وصلت إليه الشركة لم يكن نتيجة ظرف واحد أو أزمة عابرة، بل هو حصيلة سنوات طويلة من القرارات غير المهنية، وضعف الفهم لطبيعة صناعة الطيران، والتدخلات الإدارية التي كثيراً ما كانت تُدار بعقلية الخدمة المدنية التقليدية لا بعقلية صناعة الطيران. فشركات الطيران في العالم تُدار بعقود دقيقة، وقرارات سريعة، وأنظمة تشغيل معقدة، وأي بطء في القرار أو تدخل غير مهني يمكن أن يترجم فوراً إلى خسائر مالية وتشغيلية.

كما أن إصلاح الإدارة يتطلب وجود مستشار قانوني متخصص في قانون الطيران (Air Law)، على دراية كاملة بالتشريعات والاتفاقيات الدولية التي تنظم هذا القطاع، وعلى رأسها أنظمة International Civil Aviation Organization وأنظمة International Air Transport Association. فصناعة الطيران محكومة بمنظومة قانونية دقيقة، وأي ضعف في الفهم القانوني المتخصص قد يؤدي إلى تعطيل الإجراءات وإبطاء وتيرة العمل التي تتطلب بطبيعتها سرعة القرار.

ومن القضايا التي ينبغي إعادة النظر فيها أيضاً مسألة تدخل بعض الجهات غير المتخصصة في تفاصيل العمل الفني للشركة. فشركة طيران تمتلك إدارة مالية ومراجعة داخلية، كما تخضع تقاريرها في نهاية المطاف لرقابة المراجع العام. ولذلك فإن تدخل مراجع لا يمتلك الخلفية الفنية في صناعة الطيران لاتخاذ قرارات تتعلق بشراء الطائرات أو قطع الغيار أو عقود الصيانة قد يؤدي إلى تعطيل العمل بدلاً من حمايته، لأن هذه القرارات تتطلب فهماً عميقاً لطبيعة التشغيل في صناعة الطيران.

كما أن المرحلة المقبلة تتطلب التفكير بجدية في إنشاء مجلس أعلى للطيران يتولى وضع السياسات الاستراتيجية لهذا القطاع الحيوي، ويضمن التنسيق بين مؤسساته المختلفة، حتى لا تظل القرارات الكبرى موزعة بين جهات متعددة دون رؤية موحدة.

ومن الأهمية بمكان أن يتم تحويل سودانير الي هيئة كما كانت عليه سابقا تتبع لمجلس الوزراء او مجلس السيادة كما هو الحال في مصر والسعودية واثيوبيا وسوريا والعديد من البلدان لكي تنطلق وتكون مستقلة ماليا واداريا ، كذلك أن يتم تفادي تعيين أي شخصيات قد تكون مشمولة بقيود أو عقوبات دولية، لأن مثل هذه القرارات قد تؤثر بشكل مباشر على قدرة الشركة في التعامل مع الشركات العالمية، أو الحصول على قطع الغيار، أو الاشتراك في الأنظمة والتطبيقات الحديثة التي أصبحت العمود الفقري لصناعة الطيران في العالم.

إن إصلاح سودانير لا يبدأ بالطائرات فقط، بل يبدأ أولاً بالإدارة الصحيحة. فالمجلس المهني القوي هو الذي يضع السياسات الصحيحة ويمنح الإدارة التنفيذية القدرة على العمل وفق رؤية واضحة ومسؤولة.
لقد آن الأوان لأن يُدار قطاع الطيران في السودان بعقلية الطيران… لا بعقلية المحاصصة.

Exit mobile version