المصارف و البنوك السودانية و الدور المفقود في تمويل قطاع الطيران

سودافاكس ـ في خضم الأزمات التي تتداعى على الاقتصاد السوداني بعد تمرد مليشيا الدعم السريع، ومع بروز التحديات الهيكلية له و تداعيات الأزمات المتفاقمة، يبرز قطاع الطيران المدني كأحد تلك المفاتيح الاستراتيجية النادرة، القادرة على إعادة قدرة التعافي، وبث روح الثقة في البنية التحتية للدولة. لكن الذي يثير القلق العميق، و يتجاوز مجرد الحديث عن تراجع دور القطاع في تنمية الدخل القومي، هو ذلك الغياب الصاخب للدور الفاعل للبنوك السودانية في تمويل هذا القطاع الحيوي والبالغ الأهمية سريع العائد إنه غياب لا يمكن تفسيره بسهوله في ظل وجود فرص استثمارية شبه مضمونة العوائد، وكأن هناك انفصاماً بين سيولة نقدية يمكن توفيرها وفرص تمويل آمنة.

فالمتأمل للأرقام الناتجة من عوائد القطاع، ترسم ملامح المفارقة؛ حيث تشير التقديرات إلى أن عائدات خدمات الملاحة الجوية في السودان تتراوح سنوياً ما بين 160 إلى 200 مليون دولار، وهي إيرادات سيادية بامتياز، لا تعرف التقلبات الموسمية أو مخاطر السوق بنفس القدر، كونها مرتبطة بحركة الطيران الدولي العابر. في المقابل، تقف الاحتياجات التمويلية اللازمة لإعادة تأهيل مركز الملاحة الجوية الحيوي، أو إنشاء بديل حديث يواكب التطورات التقنية، أو حتى تمويل شراء أو تأجير أسطول طائرات يبدأ من طائرتين للخطوط الجوية السودانية، عند حدود 60 مليون دولار في معظم السيناريوهات. هذا التباين الصارخ بين حجم التدفقات النقدية السنوية واحتياجات التمويل يطرح سؤالاً جوهرياً، بل اتهاماً صريحاً للمنظومة المصرفية كيف يعجز قطاع مصرفي عن تمويل أصول لا تتجاوز قيمتها ثلث التدفقات النقدية السنوية المضمونة التي تولدها تلك الأصول ذاتها؟ إنها معضلة تتجاوز حدود الاقتصاد التقليدي إلى منطقة “اللامنطق” المالي.

إن الوقوف على جذور هذه الأزمة يكشف عن نسيج معقد من القيود الذاتية التي تعاني منها البنوك السودانية، والتي تحول دون اقتحامها لهذا النوع من التمويل المتخصص يمكن إجمالها في نقاط تمثل قائمة انتظار طويلة للإصلاح:
أولاً: غياب أدوات التمويل طويل الأجل، حيث لا تزال محافظ البنوك تراوح في فضاء التمويل القصير والمتوسط.
ثانياً: ضعف الخبرة في التمويل المرتكز على الأصول (Asset-Based Lending)، إذ لا تزال الثقافة المصرفية سجينة فكرة “الضمانات العينية” التقليدية، بينما العالم يتجه إلى النظر إلى الطائرة نفسها كضمان قائم بذاته، له قيمة تسويقية عالمية.
ثالثاً: المبالغة في تقدير المخاطر، بحيث تتصدر المخاطر الجيوسياسية والتشغيلية قائمة مبررات الامتناع عن التمويل، في تجاهل لحقيقة أن التدفقات النقدية السيادية المستقرة هي أقوى ضمان لسداد الالتزامات.
رابعاً: غياب الوحدات المتخصصة، فلا توجد في البنية التنظيمية للبنوك وحدات تُعنى بتمويل الطيران أو البنية التحتية له، مما يجعل تقييم هذه الفرص يتم بعين غير خبيرة.
خامساً: الاعتماد على صيغ تقليدية، مثل الإصرار على صيغ المرابحة والمشاركة قصيرة الأجل، مما يغلق الباب أمام أدوات أكثر مرونة مثل التأجير التمويلي والتشغيلي للطائرات.

لذا فإن محصلة هذه القيود هي انسحاب غير مبرر للبنوك السودانية من قطاع استراتيجي، وكأن البنوك تتنازل طواعية عن دورها التاريخي كشريك رئيسي في التنمية. وحينما تُجرى مقاربة بين التجارب الدولية والوضع المحلي نكتشف أن البنوك لم تكن أبداً مجرد ممول ثانوي يقف على الهامش، بل كانت شريكاً أساسياً في صناعة نجاح شركات الطيران ودفع عجلة توسعاتها. فالخطوط الجوية القطرية، التي بنت سمعتها العالمية على دعم وتمويل متين من مؤسسات مالية وطنية، وعلى رأسها بنك قطر الوطني (QNB)، الذي لم يكن دوره مقتصراً على تقديم القروض، بل تعداه إلى لعب دور محوري في ترتيب التمويلات المهيكلة، وتسهيل صفقات شراء وتأجير الطائرات ضمن هياكل قانونية ومالية معقدة ومتقدمة.

وشركة الاتحاد للطيران، التي استفادت من شبكة واسعة من البنوك العالمية والإقليمية، من بينها بنك أبوظبي الأول (FAB) ومؤسسات تمويل دولية، حيث تم توظيف أدوات متعددة مثل عقود التأجير التشغيلي والتمويلي، والصكوك الإسلامية المرتبطة بالأصول، والتمويل المهيكل المدعوم بتدفقات نقدية مستقبلية.

أما على المستوى العالمي، فتعتمد شركات طيران عملاقة مثل دلتا إيرلاينز ولوفتهانزا على شراكات استراتيجية مع بنوك مثل سيتي بنك وبي إن بي باريبا، التي تمتلك وحدات متخصصة في تمويل الطائرات (Aircraft Finance)، وتتعامل مع الطائرة كأصل عالمي قابل للرهن والتسييل بسهولة.

هذه النماذج تؤكد حقيقة مفادها أن تمويل الطيران ليس ذلك النشاط المجازف الذي تتخيله الإدارة التقليدية للمخاطر، بل هو نشاط مؤسسي منظم، محكوم بأطر قانونية ومالية متقدمة، تُسبغ على الأصول صفة السيولة والضمان.

إن إعادة إنتاج هذه التجارب الناجحة في السودان لا يتطلب فقط بنوكاً تمتلك شهية للمخاطر المدروسة، بل يستدعي وجود منظومة قانونية متكاملة تحمي حقوق الممولين. وهنا تبرز أهمية عنصر حاسم ظل غائباً عن المشهد السوداني، مرتكزاً على التصديق على اتفاقية كيب تاون للضمانات الدولية للمعدات المنقولة (Cape Town Convention). فلا يمكن الحديث عن جذب البنوك المحلية والأجنبية للمشاركة في تمويل إيجار أو شراء طائرات للشركات السودانية، أو حتى تشجيع بنك محلي على الدخول في هذه المجازفة، دون وجود إطار قانوني دولي يضمن حقوق الممول في استعادة الأصل وتسييله في حالة التعثر. إن التصديق على هذه الاتفاقية هو نقطة التحول الحقيقية التي ستُحدث فرقاً جذرياً للأسباب التالية:

خفض تكلفة التمويل عبر خفض المخاطر القانونية التي تزيد من أقساط التأمين ومعدلات الفائدة.
جذب المؤسسات العالمية، مما يفتح الباب أمام بنوك ومؤسسات تمويل دولية كانت ترفض الدخول إلى السوق السوداني بسبب غياب هذه الحماية.
تمكين البنوك المحلية، بحيث يمكنها المشاركة في صفقات مشتركة (Syndicated Loans) مع بنوك عالمية، والتعلم من خبراتها.
تحويل الطائرات إلى أصول قابلة للرهن الدولي، مما يمنحها صفة عالمية تجعلها ضماناً مقبولاً عبر الحدود.
إن غياب هذه الاتفاقية يجعل السودان خارج الخريطة العالمية لتمويل الطيران، مهما بلغت إغراءات الفرص الاستثمارية داخلياً.

الانتقال من حالة الغياب الحالية وغير المبررة إلى الفاعلية يستوجب تحركاً منظماً على عدة محاور متزامنة:

تمويل قائم على الإيرادات (Revenue-Based Financing)، بحيث تُوظف عائدات الملاحة الجوية ذاتها كضمان مباشر للتمويل، في صيغ مبتكرة تحمي الممول.
القروض المشتركة (Syndicated Loans): توزيع المخاطر بين تحالف من البنوك المحلية والعربية، بدلاً من تحميلها لكاهل مؤسسة واحدة.
إدخال أدوات تمويل حديثة، مثل التأجير التمويلي (Finance Lease) الذي ينقل ملكية الأصل في نهاية العقد، والصكوك المرتبطة بالأصول، والتمويل المهيكل.
بناء وحدات متخصصة داخل البنوك الكبرى لتمويل الطيران والبنية التحتية، تضم كفاءات فنية وقانونية ومالية متخصصة.
شراكات دولية لنقل المعرفة، عبر التحالف مع بنوك إقليمية رائدة مثل بنك قطر الوطني (QNB).
دور حاسم للدولة:
الإسراع في التصديق على اتفاقية كيب تاون كأولوية وطنية عليا، و تقديم ضمانات سيادية جزئية لتغطية المخاطر غير التجارية، وتحسين البيئة التنظيمية لتشجيع الصيغ التمويلية الحديثة.
ختاما إن رحلة النجاح التي قطعتها شركات الطيران العملاقة—من الخطوط الجوية القطرية والاتحاد للطيران في منطقتنا، إلى دلتا ولوفتهانزا في العالم—تؤكد حقيقة لا تقبل الجدل أن نجاح قطاع الطيران مرتبط ارتباطاً عضوياً بجرأة البنوك في التمويل، وليس فقط بكفاءة الشركات التشغيلية. والحقيقة المؤلمة أن السودان لا يفتقر إلى الموارد الحقيقية، بل يعاني من غياب آليات توظيف هذه الموارد بذكاء والمعادلة أمام صناع القرار واضحة لا تحتمل الالتباس: وجود تدفقات نقدية مستقرة (160 مليون دولار سنوياً) مقابل احتياجات تمويلية محدودة (60 مليون دولار)، تتطلب إصلاحاً قانونياً حاسماً لا يقبل المساومة (التصديق على اتفاقية كيب تاون)، لتوفير فرصة استثمارية منخفضة المخاطر عالية الأثر وإذا ما تم استيعاب هذه المطلوبات الممكنة، فإن البنوك السودانية ستكون أمام لحظة تاريخية لاستعادة دورها الريادي، والانتقال من موقع المتفرج إلى قائد كبير ومهم في مهمة إعادة إعمار الدولة، وكممول استراتيجي لقطاع الطيران بصفته رافعة اقتصادية سيادية بامتياز. ويبقي السؤال الذي ينتظر إجابة حاسمة ليس عن إمكانية النجاح، بل متى يحين موعد إصدار القرارات المطلوبة للبداية؟.

طيران بلدنا

Exit mobile version