تسعير خدمات العبور الجوي في السودان.. بين غياب المنهجية الاقتصادية والدور المطلوب من مجلس الإدارة
كتب سامي محمد الأمين
تُعد رسوم العبور الجوي (Overflight Charges) من أهم مصادر الإيرادات لسلطات الطيران المدني حول العالم، لا سيما للدول التي تتمتع بموقع جغرافي استراتيجي يضعها على مسارات الحركة الجوية الدولية. يتطلب هذا المورد الحساس إدارةً ومنهجية تسعير علمية دقيقة توازن بين التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة، والقيمة الاقتصادية للمجال الجوي، وديناميكيات السوق. غير أن ما نشهده في الحالة السودانية يمثل نموذجاً تسعيرياً لا يتطابق مع الأسس الاقتصادية.
دأبت الخطوط الإثيوبية، باعتبارها المستخدم الأكبر، على تكرار أن رسوم المجال الجوي السوداني عالية، وكانت تضغط بكافة الوسائل، إلى أن تم في العام 2015 إصدار نشرة تمييزية لا تنطبق شروطها إلا على الخطوط الإثيوبية، لتستفيد من خصم بمقدار 15%، مما جعل جميع الشركات والـ IATA تحتج على هذا التمييز، فاضطرت إدارة السلطة إلى تخفيض الرسوم لجميع الشركات بنسبة 10%، مما يعني فقدان ما بين 16 مليوناً إلى 20 مليون دولار سنوياً، أي ما يقارب 150 مليون دولار في العشر سنوات الماضية لاحقاًوعند إقرار لائحة الرسوم في العام 2024 (وكان لي شرف التكليف بمراجعتها)، تم إدراج نص واجب التطبيق يلغي كافة النشرات التي خفضت رسوم العبور، باعتبار أنه لم تجرِ أي دراسة للتكلفة، وأن الرسوم لم تُعدَّل لأكثر من ثلاثين عاماً.
في أواخر العام 2025، تم إقرار تخفيض جديد في الرسوم واعتماد معادلات للعبور دون الاستناد إلى دراسة تكلفة حقيقية، وفي ظل طلب غير مرن ناتج عن إغلاق مجالات جوية مجاورة، مما يجعل المسارات الجوية السودانية خياراً شبه إجباري لشركات الطيران. إن هذه المنهجية لا تؤدي إلا إلى خفض كبير في الإيرادات وضياع فرصة ثمينة لتعظيم الإيرادات السيادية.
الإطار النظري والمقارنة المرجعية مع مقاربة للنموذج الألماني
تعتمد سلطات الطيران المدني المتقدمة على نماذج اقتصادية راسخة لضمان استرداد التكاليف وتحقيق العدالة بين المستخدمين. من أبرز هذه النماذج نموذج “التكلفة زائد العائد” (Cost-Plus) ونموذج “وحدات الخدمة” (Service Units) المعتمد من قبل المنظمة الأوروبية لسلامة الملاحة الجوية (يوروكنترول). في ألمانيا، على سبيل المثال، تدير مؤسسة خدمات الملاحة الجوية الألمانية (DFS) تسعير المجال الجوي بشفافية ودقة متناهية، حيث يتم تحديد “سعر الوحدة” (Unit Rate) سنوياً بناءً على قاعدة تكاليف مدققة تشمل التكاليف التشغيلية والاستهلاكات وتكاليف رأس المال. (لعام 2025، يبلغ سعر الوحدة لخدمات العبور في ألمانيا 99.91 يورو). فمثلاً، طائرة إيرباص 320 تقطع المسافة بين ميونخ وهامبورغ بطول حوالي 320 ميلاً بحرياً، وتدفع نحو 660 يورو، أي ما يقارب 650 فرنكاً، بينما تدفع نفس الطائرة لنفس المسافة في السودان مبلغ 346 فرنكاً، بفارق يزيد على 300 فرنك لكل رحلة ذهاباً أو إياباً فقط.
وتعتمد المعادلة الأوروبية والألمانية على ثلاثة أبعاد رئيسية تتمثل في سعر الوحدة المبني على التكلفة، وعامل المسافة، وعامل الوزن المستمر، حيث يتم حساب عامل الوزن باستخدام الجذر التربيعي للوزن الأقصى للإقلاع (MTOW) مقسوماً على 50. وهذا النهج يضمن أن الطائرات الأثقل، التي تتطلب مسافات فصل أكبر وتفرض عبئاً أعلى على نظام الملاحة، تدفع رسوماً تتناسب بدقة مع العبء الذي تسببه.
وتوضح المقارنة بين المنهجية الألمانية والمنهجية السودانية الحالية الإشكالية المنهجية في معادلة التسعير السودانية، حيث تستند الإدارة الحالية لرسوم العبور في السودان إلى معادلة مبسطة تنص على ضرب “الرسم الموحد” في نصف المسافة المقطوعة.
ورغم أن إدراج المسافة يُعد خطوة صحيحة، إلا أن المعادلة تفشل في تضمين التكلفة الفعلية لتقديم الخدمة، وتتعامل مع عامل الوزن بطريقة غير دقيقة اقتصادياً. يتم تقسيم الطائرات إلى شرائح (خفيفة، متوسطة، ثقيلة)، مما يخلق ما يُعرف اقتصادياً بـ “التشوه داخل الشريحة” (Intra-category distortion) و”تأثير الجرف” (Cliff Effect). فعلى سبيل المثال، في ظل هذا النظام الشرائحي، قد تُعامل طائرة يبلغ وزنها 51 طناً بنفس المعاملة السعرية لطائرة يبلغ وزنها 180 طناً لمجرد وقوعهما في نفس فئة الوزن “المتوسط”، رغم الفارق الشاسع في العبء التشغيلي الذي تفرضه كل منهما على أنظمة المراقبة الجوية.
وفي المقابل، فإن فارقاً طفيفاً يبلغ طنين فقط بين طائرة تزن 49 طناً (فئة خفيفة) وأخرى تزن 51 طناً (فئة متوسطة) يؤدي إلى قفزة سعرية غير مبررة. إن هذا الخلل الرياضي والاقتصادي يجعل المعادلة الحالية غير صالحة كنموذج لتسعير مورد سيادي عالي القيمة، حيث تؤدي إلى تسعير أقل من القيمة العادلة لبعض الطائرات الثقيلة، وتسعير مجحف للطائرات الأخف.
من المفارقات العجيبة في إدارة المجال الجوي السوداني، وهو إرث قديم ليس حصراً، أن رسوم العبور ظلت شبه ثابتة لحوالي 35 عاماً. وخلال هذه العقود الثلاثة والنصف، تكبدت الدولة صرفاً هائلاً على تطوير بنية الملاحة الجوية، بما في ذلك تحديث الرادارات، وأنظمة الاتصالات والملاحة والمراقبة (CNS/ATM)، وتدريب الكوادر البشرية.
ومع أخذ معدلات التضخم العالمية في الاعتبار، فإن القيمة الحقيقية لهذه الرسوم كانت تتآكل منذ العام 2015، وبدلاً من تصحيح هذا الوضع التاريخي المختل، جاء التعديل الأخير ليخفض الرسوم بمتوسطات كبيرة، منتقلاً من رسم موحد يقارب 950 دولاراً في اللائحة السابقة إلى متوسط يقارب 531 دولاراً للمسارات.
إن تخفيض الأسعار في الأسواق عادة ما يُستخدم كأداة لتحفيز الطلب، ولكن في حالة المجال الجوي السوداني، وبسبب إغلاق المجالات الجوية المجاورة نتيجة الحرب الإيرانية، أصبح الطلب غير مرن (Inelastic) والمسارات شبه إجبارية. في مثل هذه الظروف، لا يؤدي تخفيض السعر إلى تنشيط الطلب، بل يؤدي حصراً إلى تبديد الريع الاقتصادي (Economic Rent) وخفض الإيرادات المحققة.
وبناءً على تقديرات مبسطة لحجم الحركة الحالية، فإن هذا التخفيض يؤدي إلى فاقد مباشر بمبالغ كبيرة للمجال تمثل فقط الفاقد المباشر دون احتساب الأثر التراكمي أو تكلفة الفرصة البديلة الناتجة عن عدم استغلال الموارد وتسعير الخدمة دون معرفة قيمتها الحقيقية.
الأثر الشامل على إعادة التمويل وتطوير البنية التحتية
إن أي نظام ملاحة جوية حديث يتطلب استدامة مالية تضمن القدرة على صيانة وتطوير البنية التحتية، فتشمل هذه المتطلبات الحيوية وجود مركز رئيسي للملاحة الجوية (ACC) ومركز بديل للطوارئ (Backup/Contingency Center) لضمان استمرارية الخدمة ومرونتها (Resilience). وتعتمد القدرة على التمويل الذاتي لهذه المشاريع الاستراتيجية بشكل كلي على الفائض المالي المتحقق من رسوم العبور بعد تغطية النفقات التشغيلية وخدمة الديون إن وجدت.
وتبعاً للمنهج التسعيري المتبع، والذي يفصل السعر عن التكلفة ويخفض الإيرادات بشكل متكرر، تتقلص القدرة على التمويل الذاتي إلى مستويات حرجة، مما يعطل مشاريع إعادة بناء مركز الملاحة وإنشاء المركز البديل، ويزيد من ارتهان سلطة الطيران المدني للقروض الخارجية التي قد لا تتيسر أو الدعم الحكومي غير المستدام.
إن الفجوة التمويلية المتزايدة بين الإيرادات المتآكلة والتكاليف الرأسمالية المتصاعدة تنذر بطول مدة استعادة الخدمات الملاحية وإبقاءه مغلقاً لأطول فترة ممكنة، على الرغم من الجهود الكبيرة.
مسؤولية مجلس الإدارة وغياب الدراسة الاقتصادية
يكشف عدم الثبات في سياسات التسعير عن إشكالات عميقة في الحوكمة المؤسسية. فقد كان لزاماً على مجلس الإدارة الموقر، قبل إجازة هذا التعديل الجوهري في هيكل الرسوم، أن يمارس دوره الرقابي والاستراتيجي بطلب دراسة اقتصادية وافية ومفصلة تتضمن تحليلاً شاملاً للتكاليف المباشرة وغير المباشرة والرأسمالية (Full Costing Study)، وبناء نموذج تسعير واضح يحدد “سعر الوحدة” ويربطه بالحركة المتوقعة. وعلاوة على ذلك، كان من الضروري إجراء تقييم دقيق للأثر المالي (Impact Assessment) لتحديد نقطة التعادل وحساسية الحركة الجوية للتغيرات السعرية، إلى جانب إجراء مقارنات مرجعية (Benchmarking) مع الدول المجاورة والأنظمة العالمية، مثل دول لديها نفس مساحة السودان أو تقاربه. لذا فإن إجازة تعديلات تمس صميم الإيرادات السيادية دون هذه المسوغات الاقتصادية والفنية يتطلب مراجعة عاجلة بناءً على دراسات منهجية.
إن ما ظل يحدث في تسعير خدمات العبور الجوي في السودان ليس مجرد تعديلات إدارية للرسوم، بل هو تحول من تسعير اقتصادي (وإن كان قديماً) إلى تسعير لا يعتمد على أي سند علمي. لقد أدى هذا النهج إلى ضياع ميزة جغرافية نادرة وإضعاف القدرة على تمويل البنية التحتية الحيوية.
إنني أضم صوتي إلى ما نادى به الأخ إبراهيم عدلان، المدير الأسبق، في تعديل اختصاصات مجلس الإدارة وتقويتها بصلاحيات واضحة وملزمة قانوناً، وأن يكون من بين أعضائه من المختصين في المجالات التي تخدم السلطة والقطاع. وأن تكون من أولويات المجلس القادم إعادة النظر في هيكل الرسوم، وتشكيل فريق عمل اقتصادي-فني يتولى إعداد نموذج تسعير مبني على التكلفة (Cost-Based Model) يتوافق مع المعايير الدولية، واعتماد نموذج ثلاثي يربط الرسوم بالتكلفة الفعلية (عبر تحديد سعر وحدة معتمد)، والمسافة المقطوعة، وعامل الوزن المستمر للطائرات، لضمان العدالة واسترداد التكاليف. ووضع خطة تسعير استراتيجية تمتد لخمس سنوات، تتضمن مراجعات دورية لضمان مواكبة التغيرات في التكاليف ومعدلات التضخم.
إن تسعير المجال الجوي ليس مجرد معادلة حسابية بسيطة تُتخذ بقرار إداري، بل هو قرار سيادي واقتصادي عالي الحساسية، وأي خلل في إدارته لا يمثل خفضاً للإيرادات، بل يشكل ضياعاً لفرصة وطنية كاملة في بناء قطاع طيران مدني قوي ومستدام.
حاشية
(هذا المقال رؤية شخصية ولا يعبر عن أي رؤية او رأي رسمي والدعوة لجميع المختصين بدراسات التكاليف المساهمة لاثراء النقاش للفائدة العامة )
