سودانير في مفترق طرق..فهل ينقذها تكوين المجلس الأعلى للطيران
بقلم: محمد مصطفى الحوري
تظل شركة الخطوط الجوية السودانية – سودانير – واحدة من أبرز الرموز السيادية للدولة السودانية، فهي ليست مجرد شركة نقل جوي، بل تمثل تاريخاً وطنياً عريقاً وإرثاً اقتصادياً واستراتيجياً يخص أكثر من أربعين مليون سوداني. لقد كانت سودانير يوماً ما واجهة مشرفة للسودان في المحافل الدولية، وسفيراً يجوب الأجواء حاملاً اسم الوطن، قبل أن تتراجع مكانتها بفعل تعقيدات إدارية وتشريعية لا تنسجم مع طبيعة صناعة الطيران الحديثة.
إن صناعة النقل الجوي تُدار وفق معايير عالمية دقيقة تتطلب السرعة في اتخاذ القرار، مع الالتزام الصارم بعوامل السلامة والكفاءة التشغيلية. وقد وضعت منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) إطاراً تنظيمياً واضحاً عبر التشريع المعروف بـ Annex 6، والذي يمنح المدير المسؤول (Accountable Manager) صلاحيات واسعة لاتخاذ القرارات الحاسمة، بما في ذلك شراء قطع الغيار، وإبرام اتفاقيات المشاركة، وتوقيع عقود الصيانة، وذلك لضمان استمرارية التشغيل ومواكبة ديناميكية القطاع.
غير أن الواقع الذي تعيشه سودانير اليوم يكشف عن فجوة واضحة بين هذه المعايير الدولية والتطبيق المحلي، حيث خضعت الشركة خلال الفترة الماضية لقيود إدارية وتدخلات خارج الإطار المهني، تمثلت في هيمنة بعض الجهات ذات الطابع المالي من محاسبين من وزارة المالية للتدخل في قرارات فنية بحته لاتمت بصلة لعمل الطيران من مراجعين وموظفي قطاع المؤسسات والشراء والتعاقد بالتدخل الإداري على مفاصل اتخاذ القرار، الأمر الذي أدى إلى بطء الإجراءات، وتعطيل المصالح، وإضعاف القدرة التنافسية للشركة في سوق إقليمي ودولي شديد التعقيد.
لقد أفضت هذه السياسات إلى تراجع الأداء العام للناقل الوطني، وأثرت سلباً على قدرته في استعادة مكانته الطبيعية، بل وأصبحت بعض القرارات المصيرية تُدار بعيداً عن أهل الاختصاص في قطاع الطيران، مما شكل عائقاً حقيقياً أمام أي محاولات للإصلاح أو التطوير.
وانطلاقاً من الحرص الوطني والمسؤولية المهنية، نتوجه بهذه المناشدة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء، آملين في تدخل عاجل يعيد تصحيح المسار، وذلك عبر تشكيل مجلس أعلى للطيران يتبع مباشرة لمجلس السيادة، تكون له الولاية الكاملة على شركة الخطوط الجوية السودانية وقطاع الطيران المدني.
على أن يُبنى هذا المجلس على أسس مهنية خالصة، ويضم نخبة من الكفاءات الوطنية المشهود لها بالخبرة والتجربة في مجالات الطيران، والاقتصاد، والإدارة التجارية، من الذين أفنوا سنوات عمرهم في هذا القطاع الحيوي. كما نأمل أن يكون هذا المجلس بعيداً عن التمثيل الوزاري التقليدي، وأن يُمنح الاستقلالية الكاملة في اتخاذ القرار، بما يمكنه من قيادة عملية إصلاح حقيقية وشاملة.
إن تجارب الدول الشقيقة مثل جمهورية مصر العربية، ودولة الكويت، والمملكة العربية السعودية، تقدم نماذج ناجحة في إدارة قطاع الطيران عبر مؤسسات مستقلة ذات طابع مهني، استطاعت أن تحقق نقلة نوعية في الأداء والتشغيل، وأن تجعل من شركاتها الوطنية كيانات منافسة إقليمياً وعالمياً.
إن سودانير اليوم في مفترق طرق، إما أن تُمنح الفرصة الحقيقية للنهوض عبر إصلاح مؤسسي شامل، أو أن تستمر في دائرة التراجع التي لا تليق بتاريخها ولا بمكانة السودان. وإننا على يقين بأن الإرادة السياسية الواعية قادرة على إحداث هذا التحول، متى ما توفرت الرؤية والإدارة المهنية المستقلة.
ختاماً، فإن هذه المناشدة ليست إلا صوتاً حريصاً على مصلحة الوطن، ودعوة صادقة لإنقاذ رمز سيادي يستحق أن يعود إلى مكانه الطبيعي في سماء الطيران.
والله من وراء القصد.
