سودانير.. من قبضة البيروقراطية إلى الاستقلال المؤسسي
بقلم: حجازي بكري عثمان
لطالما شكّلت شركة الخطوط الجوية السودانية رمزًا للسيادة الوطنية وواجهةً حضاريةً للسودان، إلا أن واقعها الراهن يعكس فجوةً عميقة بين إمكاناتها التاريخية وما وصلت إليه من تراجع تشغيلي ومؤسسي. هذه الفجوة لم تكن نتيجة نقص الموارد فحسب، بل نتاج تراكمات إدارية وتشريعية كبّلت الشركة وأفقدتها القدرة على المنافسة في صناعة شديدة الديناميكية والتعقيد.
أولاً: تشخيص جذور الأزمة
إن إخضاع الشركة لسلطة وزارات مثل وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي السودانية ووزارة النقل السودانية، تحت مبررات “الولاية على المال العام” أو “التبعية القطاعية”، لم يحقق القيمة المضافة المرجوة. بل على العكس، أدّى إلى:
تضخم الإجراءات وتعطيل القرارات التشغيلية الحساسة.
تغوّل البيروقراطية المالية على القرارات الفنية.
خلق بيئة غير صحية أفرزت ممارسات انتدابية تستهدف المكاسب الشخصية أكثر من المصلحة المؤسسية.
والسؤال الجوهري: هل ساهمت هذه الجهات في تحديث الأسطول؟ هل موّلت شراء الطائرات أو دعمت التشغيل؟
الإجابة الواقعية: لم يحدث ذلك بشكل مؤثر طوال تاريخ الشركة.
ثانياً: الدرس من التجارب الإقليمية الناجحة
النماذج الناجحة في إفريقيا والشرق الأوسط تؤكد أن الاستقلال المؤسسي هو حجر الأساس للنهضة:
تجربة الخطوط الجوية الإثيوبية التي تحولت إلى عملاق إفريقي لم تأتِ عبر الدعم الحكومي المباشر، بل عبر تحريرها من القيود البيروقراطية ومنحها استقلالًا ماليًا وإداريًا كاملاً.
كذلك مصر للطيران، التي استطاعت الاندماج في تحالف Star Alliance بعد إعادة هيكلتها وتحويلها إلى كيان اقتصادي مرن قائم على الحوكمة الحديثة.
ثالثاً: خارطة الطريق المقترحة
1. فك الارتباط المؤسسي
تحويل الشركة إلى هيئة وطنية مستقلة تعمل وفق قانون خاص.
فك الارتباط التشغيلي والمالي مع بنك السودان المركزي ووزارة المالية.
منح مجلس الإدارة صلاحيات كاملة وفق معايير الحوكمة الدولية.
2. إعادة هيكلة الحوكمة
تشكيل مجلس إدارة مهني مستقل يضم خبرات في الطيران والتمويل.
اعتماد نموذج “Accountable Manager” وفق معايير منظمة الطيران المدني الدولي.
فصل الملكية عن الإدارة لضمان الشفافية والمساءلة.
3. برنامج تحديث الأسطول
تبني نموذج التأجير التشغيلي (Operating Lease) بدل الشراء المباشر.
التركيز على طائرات متوسطة المدى مثل عائلة B737/A320 لتغطية الشبكة الإقليمية.
إدخال طائرات شحن لتعظيم عائدات الكارجو، خاصة مع موقع بورتسودان الاستراتيجي.
4. التحول إلى نموذج ربحي مستدام
تطوير وحدة الشحن الجوي كمصدر دخل رئيسي.
إنشاء شراكات مع شركات لوجستية إقليمية.
تحسين إدارة العائدات (Revenue Management) والتسعير الديناميكي.
5. الانفتاح على الشراكات والتحالفات
العمل للانضمام إلى تحالفات دولية مثل Star Alliance أو غيرها.
توقيع اتفاقيات الرمز المشترك (Code Share) لتوسيع الشبكة دون تكلفة تشغيلية عالية.
6. إصلاح البيئة التشريعية
إصدار قانون خاص بالشركة يضمن:
الاستقلال المالي والإداري
المرونة في التوظيف والتعاقد
الحماية من التدخلات غير المهنية
رابعاً: الرسالة الحاسمة
إن نهضة شركة الخطوط الجوية السودانية لا يمكن أن تتحقق عبر إعادة تدوير نفس السياسات أو تبديل تبعيتها بين وزارة وأخرى. القضية ليست في “من يشرف”، بل في كيف تُدار.
القرار المطلوب اليوم هو قرار اقتصادي سيادي شجاع، يعيد تعريف الشركة ككيان استثماري وطني مستقل، قادر على المنافسة، لا كإدارة حكومية مثقلة بالإجراءات.
خاتمة
الناقل الوطني ليس عبئًا على الدولة، بل يمكن أن يكون أحد أعمدة اقتصادها، كما أثبتت التجارب. وما لم يتم فك القيود المؤسسية، وإطلاق طاقات الإدارة المهنية، فإن أي محاولة للإصلاح ستظل تدور في حلقة مفرغة.
لقد آن الأوان للخروج من “سياج التبعية” إلى فضاء الاستقلال… حيث تبدأ النهضة الحقيقية.
