مطالبة بصرف الأجور بالدولار لمنسوبي قطاع الطيران بالسودان..الأسباب والمبررات

مطالبة بصرف الأجور بالدولار لمنسوبي قطاع الطيران بالسودان..الأسباب والمبررات

بقلم: مصطفى سليمان

في خضم التحولات الاقتصادية العاصفة، لم يعد الحديث عن ضعف الأجور في الخدمة المدنية ترفًا أو شكوى عابرة، بل أصبح واقعًا يوميًا يفرض نفسه على آلاف الموظفين الذين يواجهون معادلة صعبة: البقاء بوظيفة لم تعد تلبي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة، أو الهجرة بحثًا عن استقرار مفقود.

التآكل المستمر للقيمة الشرائية للمرتبات، بفعل التضخم وتذبذب سعر الصرف، أفرغ الأجور من مضمونها الحقيقي. فالأرقام التي تُكتب في كشوفات المرتبات قد تبدو أكبر من السابق، لكنها في الواقع تشتري أقل بكثير، وتفقد قيمتها قبل أن تصل إلى منتصف الشهر. وفي ظل هذا الواقع، لم يعد مستغربًا أن تتزايد موجات تسرب الكفاءات، خاصة في القطاعات الفنية والحيوية.

في هذا السياق، برزت مبادرة لافتة داخل قطاع الطيران المدني، تدعو إلى ربط مرتبات العاملين بالدولار الأمريكي، ليس كرفاهية أو تمييز، بل كآلية اقتصادية لحماية الأجور من التآكل، وبما يتماشى مع طبيعة إيرادات القطاع التي تُحصّل في معظمها بالعملة الصعبة. كما تستند المبادرة إلى معايير دولية تعتمدها المنظمة الدولية للطيران المدني، والتي تؤكد على أهمية استقرار أجور الكفاءات لضمان السلامة التشغيلية.

جوهر الفكرة بسيط: إذا كانت الإيرادات تُحسب بالدولار، فمن المنطقي أن تُربط بها الأجور – ولو كمرجعية حسابية – لضمان استقرارها. وهنا لا يقتصر الطرح على “الدولرة الكاملة”، بل يتضمن خيارات أكثر مرونة، مثل اعتماد الدولار كوحدة حساب مع صرف المرتبات بالجنيه وفق سعر رسمي دوري، أو تطبيق بدلات تعويضية مرتبطة بالتضخم.

قد تبدو الفكرة للبعض حساسة من الناحية السيادية أو النقدية، لكن التعامل معها باعتبارها أداة فنية لمعالجة اختلال هيكلي – وليس كتحول سياسي أو اقتصادي شامل – يفتح الباب أمام نقاش أكثر واقعية. فالمشكلة في جوهرها ليست في العملة، بل في فقدان الأجر لوظيفته الأساسية: تأمين حياة كريمة للعامل.

إن استمرار الوضع الحالي لا يهدد فقط المستوى المعيشي للموظفين، بل ينعكس أيضًا على كفاءة المؤسسات واستقرارها. ففي قطاعات حساسة كقطاع الطيران، حيث ترتبط جودة الأداء مباشرة بعوامل السلامة، فإن أي تراجع في الاستقرار الوظيفي قد تكون له آثار غير مباشرة، لكنها عميقة.

من هنا، تكتسب هذه المبادرات أهميتها، ليس فقط كحلول جزئية، بل كنقطة انطلاق لإعادة التفكير في سياسات الأجور داخل الخدمة المدنية. فربط الأجور بمؤشرات حقيقية – سواء كانت عملات مستقرة أو معدلات تضخم – لم يعد خيارًا نظريًا، بل ضرورة تفرضها طبيعة المرحلة.

في نهاية المطاف، لا يتعلق الأمر بامتيازات إضافية، بل باستعادة التوازن المفقود بين الجهد والعائد، وبين الوظيفة والحياة. وإذا كانت الدولة حريصة على استبقاء كفاءاتها، فإن معالجة أزمة الأجور يجب أن تكون في صدارة أولوياتها، قبل أن تتحول الهجرة من خيار فردي إلى ظاهرة عامة يصعب احتواؤها.

Exit mobile version