من يربح من ظلام “بورتسودان”؟
رشان اوشي
في بورتسودان التي تحولت من ميناء تجاري إلى مركز اضطراري لقرار الدولة قبل عودة العاصمة. دارت واحدة من أبشع فصول الفساد الإداري والسياسي في سودان الحرب.
لم تكن أزمة الكهرباء نتاج انهيار بنيتها التحتية جراء تدمير المليشيا فحسب، بل كانت “صناعة أزمة” متكاملة الأركان؛ تهدف لإجبار الدولة على الانصياع لعقود إذعان تستنزف ما تبقى من الخزينة المنهكة، وتغتال أمنيات العائدين إلى ديارهم.
البارجة التركية.. تورط نافذين في (الابتزاز) و(السمسرة)
بعد القطوعات الأخيرة .. كهرباء السودان تعلن عن خطوات عملية لزيادة التوليد بالولاية الشمالية
بالأرقام.. (خسائر) و(بشائر) في قطاع الكهرباء
بدأت المأساة حين تعثرت محطة كهرباء “كلانييب” بسبب تراكم ديون بنك التنمية الأفريقي، وهي تركة مثقلة ورثتها البلاد من حقبة النظام السابق (قضية سنعود إلى تفاصيلها التي حدثت مؤخرا). وبدلاً من إيجاد حلول جذرية لإكمال المحطة الوطنية، ذهبت الدولة إلى الحلول “السهلة” و المؤقتة، باستئجار البارجة التركية.
لكن مع مرور الوقت، وبتخطيط ممنهج من مراكز قوى داخل أجهزة الدولة، تحول هذا الحل المؤقت إلى احتكار دائم، وتعطلت فكرة المحطة الوطنية لصالح “السوق التجاري” للطاقة.
مع اندلاع الحرب ونزوح مؤسسات الدولة، وجد السودان نفسه رهينة لشركة (Kar powership). لم تكتف الشركة بالابتزاز غير المباشر بمديونياتها السابقة، بل بدأت رحلة ابتزاز صريح؛ فكلما اقترب فصل الصيف، اشترطت “السداد مقدم أو الإطفاء. وفي لحظة انهيار قطاع الكهرباء وغياب البدائل، انصاعت الدولة مراراً لإملاءاتها.
لكن “شركة كهرباء السودان القابضة” قررت أخيراً كسر هذا القيد عبر طرح عطاء دولي شفاف. وحين فُتحت المظاريف، تكشفت الحقيقة المرة التي حاول “لوبي البارجة” إخفاءها؛ فالمقارنة بين العروض كانت كافية لإحالة المسؤولين عنها إلى المحاكمة بتهمة الخيانة العظمى.
شركة يمنية بنغلاديشية، قدمت سعراً قدره (4.9) سنت للكيلوواط، مع حد أدنى للتشغيل بنسبة (20%)، والأهم من ذلك: منحة مجانية عبارة عن محطة طاقة شمسية بقدرة (100) ميجاواط، شاملة التركيب والتشغيل.
شركة عربية قدمت سعراً قدره (4.😎 سنت للكيلوواط، لكن تم استبعادها بقرار أمني (لكونها مسجلة في دولة الإمارات).
الشركة التركية، أصرت على سعر(9.😎 سنت للكيلوواط (أي ضعف السعر المنافس)، مع حد أدنى للتشغيل بنسبة (80%)، ومقدم مالي يصل إلى (3) ملايين دولار، على أن تتحمل الحكومة السودانية تكلفة الوقود!.
بدلاً من اختيار العرض الأوفر والأفضل تقنياً، تدخلت “أياد خفية” داخل مكاتب سيادية ووزارية لمماطلة عملية الفرز. كان الهدف واضح:استهلاك الوقت حتى يطرق الصيف الأبواب وتشتد حاجة المواطنين للكهرباء.
حُبست العطاءات في الأدراج لشهور تحت وطأة “الدورة المستندية” . ومع اقتراب ذروة الأحمال، بدأ اللوبي الضغط بورقته الأخيرة:”البارجة الجديدة تحتاج (3) أشهر لتصل، والناس ستموت من الحر، وقعوا مع” البارجة التركية”،وتحت هذا الضغط الممنهج، تم تمرير عقد جديد مع البارجة التركية بسعر (7.1) سنت، وهو سعر يظل أعلى بكثير من العروض الأخرى، وبشروط مجحفة.
إن إصرار بعض الموظفين السياديين و ممارسة ضغوط على وزارة الطاقة وشركة الكهرباء القابضة من أجل تجديد عقد البارجة التركية، رغم وجود عرض يوفر نصف التكلفة ويمنح البلاد محطة طاقة شمسية مجانية، ليس سوء تقدير، بل هو “جريمة فساد بائنة”.
كيف يمكن لنازح فقد بيته، أو لجندي في الصفوف الأمامية، أو لمواطن يحلم بالإعمار، أن يثق في دولة تسمح لـ “لوبي مصالح” بأن يتحكم في شريان حياته؟ إن ما يحدث في دهاليز وزارة الطاقة وأروقة الجهاز التنفيذي السيادي يتجاوز حدود الفساد المالي؛ إنه استثمار في معاناة الناس، وطعنة في خاصرة الوطن وهو في أضعف حالاته.
الحقيقة البائنة هي: إن الكهرباء في السودان لا تنقطع بسبب انهيار بنيتها التحتية فحسب، بل تقطع أحياناً لأن هناك من يربح من الظلام.
في الحلقة القادمة: ما قصة البارجة الجديدة؟ وتفاصيل تعثر محطة كلانييب.
محبتي واحترامي
