حين تتباطأ العدالة الفنية: مكتب الإيكاو بالشرق الأوسط وإعادة فتح الأجواء السودانية
إبراهيم عدلان
من حق السودان أن يتساءل، ومن واجب المتابعين أن يطرحوا السؤال بصراحة: لماذا تستمر المماطلة غير المبررة في التعامل مع ملف إعادة فتح الأجواء السودانية، بينما شهد العالم سرعة ومرونة لافتة في التعاطي مع ملفات مماثلة في مناطق أخرى، لا سيما في دول الخليج؟
مطارات السودان شركة تجارية مملوكة للدولة.. لا مؤسسة سيادية
إن المنظمة الدولية للطيران المدني ICAO و مكاتبها الإقليمية يفترض أن تعمل وفق معايير مهنية موحدة، لا تعرف الانتقائية، ولا تخضع لحسابات النفوذ السياسي أو الاقتصادي. فالسلامة الجوية، واستمرارية الملاحة، وحق الدول في استعادة خدماتها الجوية، ليست ملفات تُدار بالمزاج أو وفق موازين القوة، وإنما وفق قواعد واضحة ومعلنة.
السودان، رغم ما مرّ به من حرب واضطراب، لم يكن خارج منظومة الطيران المدني الدولية، ولم يفقد كوادره الفنية، ولا خبراته المتراكمة، ولا موقعه الجغرافي الحيوي الذي ظل لعقود يمثل نقطة عبور مهمة بين أفريقيا والشرق الأوسط. ولذلك فإن أي تأخير غير مبرر في دعم استعادة المجال الجوي السوداني لا يمكن تفسيره فقط بالاعتبارات الفنية.
لقد رأينا كيف أُعيد ترتيب الأجواء، وجرى التنسيق العاجل، وتقديم الدعم الفني والاستشاري، وتسريع الإجراءات في أزمات شهدتها دول أخرى في الإقليم. فلماذا يصبح السودان حالة مختلفة؟ ولماذا يُطلب منه ما لا يُطلب من غيره؟ ولماذا تُترك دولة ذات سيادة تواجه تعقيدات إعادة التشغيل منفردة، بينما تُمنح دول أخرى مسارات سريعة وغطاءً فنياً مباشراً؟
هذا التفاوت يبعث على الاستغراب، ولا يخلو من غرض، أو على أقل تقدير من غياب الإنصاف. فالطيران المدني ليس نادياً مغلقاً للأثرياء، ولا منظومة تُدار بمنطق المركز والهامش. وإذا فقدت المؤسسات الدولية حيادها، فإنها تفقد أهم أسباب وجودها.
إن استمرار تعطيل الأجواء السودانية لا يضر السودان وحده، بل يضر حركة الملاحة في المنطقة بأسرها. فالسودان يقع في قلب شبكة الربط بين شرق وغرب أفريقيا، وبين الشمال والجنوب، وتعطيل دوره الطبيعي يعني تحميل شركات الطيران مسارات أطول، وكلفة أعلى، وضغطاً إضافياً على مجالات جوية أخرى.
كما أن هذا التأخير يرسل رسالة سلبية للدول النامية مفادها أن العودة إلى المنظومة الدولية ليست حقاً متساوياً، بل امتيازاً يُمنح للبعض ويُؤجل للبعض الآخر. وهذه رسالة خطيرة تمس جوهر العدالة الدولية في قطاع النقل الجوي.
السودان لا يطلب استثناءً، ولا يسعى لمجاملة، بل يطلب تطبيق المعايير ذاتها التي استفادت منها دول أخرى. يطلب تقييماً مهنياً نزيهاً، ودعماً فنياً حقيقياً، وجدولاً زمنياً واضحاً لإعادة الاندماج الكامل في الحركة الجوية الدولية.
وإذا ظل مكتب الشرق الأوسط عاجزاً أو متباطئاً أو غير متوازن في تعاطيه مع السودان، فإن الوقت قد حان لإعادة النظر في التموضع الإقليمي ذاته. فالسودان تاريخياً وجغرافياً وعملياً دولة أفريقية قبل كل شيء، ومصالحه الجوية والاستراتيجية ترتبط ارتباطاً عميقاً بالقارة.
لذلك، فإن من الضروري أن يستعيد السودان مكانه الطبيعي داخل منظومة AFI، وأن يعود إلى محيطه الأفريقي المؤسسي، حيث تُفهم أولوياته التنموية، وتُقدّر احتياجاته الفنية، ويُنظر إليه شريكاً كاملاً لا ملفاً هامشياً مؤجلاً.
لقد آن الأوان أن يعود السودان إلى بيئته الطبيعية… وأن يستعيد صوته ومكانه ودوره داخل مكتب الـAFI، حيث المستقبل الأقرب، والانتماء الأصدق، والمصلحة الأوضح.
