سودافاكس ـ أعلنت الإمارات العربية المتحدة اليوم السبت الثاني من مايو ٢٠٢٦ عودة عمليات الملاحة الجوية إلى وضعها الطبيعي الكامل، و رفع الإجراءات الاحترازية المؤقتة، بعد تقييم تشغيلي وأمني شامل. خبر عادي في ظاهره، لكنه يثير سؤالًا استثنائيًا في الحالة السودانية: لماذا ظل المجال الجوي السوداني رهينة الإغلاق الطويل، بينما تملك الدولة أصلًا حق القرار السيادي والفني في فتحه أو تنظيمه جزئيًا؟
السؤال لا يتعلق بالمقارنة بين السودان والإمارات من حيث الإمكانات، بل يتعلق بالفلسفة الإدارية وصناعة القرار. ففي كل دول العالم، تُدار الأزمات الجوية بمنهج التدرج، لا بمنهج الإغلاق الشامل المفتوح بلا أفق. هناك من يغلق جزءًا من المجال، وهناك من يرفع مستويات التحذير، وهناك من يفرض ممرات محددة، وهناك من يعتمد خدمات إجرائية بدلًا عن الرادارية. أما أن يتحول الإغلاق إلى حالة دائمة، فذلك يطرح أسئلة لا بد منها.
لماذا لم يُفتح الجزء العلوي من المجال الجوي السوداني؟
المجال الجوي ليس كتلة واحدة. يمكن تقسيمه إلى مستويات ومسارات ومناطق خطورة. كثير من الدول في ظروف النزاعات أبقت الطبقات العليا مفتوحة لعبور الطيران الدولي، مع عزل المناطق الحساسة والمنخفضة. فلماذا لم يتحرك السودان بهذا الاتجاه؟
فتح الجزء الأعلى من المجال كان يمكن أن يعيد:
- رسوم عبور يحتاجها الاقتصاد بشدة.
- استعادة الثقة في إدارة الحركة الجوية السودانية.
- إبقاء السودان حاضرًا على خرائط الملاحة الدولية.
- تقليل تحويل الحركة إلى أجواء الدول المجاورة.
فمن الذي قرر أن الإغلاق الكامل هو الخيار الوحيد؟ وعلى أي دراسة استند؟
لماذا لم تُستخدم المراقبة الإجرائية؟
إذا تعذر تشغيل الرادار في بعض المناطق، فالعالم لم يبدأ بالرادار أصلًا. قبل الرادار كانت الملاحة الجوية تُدار بنظم المراقبة الإجرائية: الفصل الزمني، الفصل الرأسي، تقارير المواقع، المسارات المحددة، والتنسيق بين المراكز.
وكان بالإمكان تشغيل الخدمة من:
- بورتسودان إذا توفرت الإمكانات.
- مروي كنقطة بديلة.
- دنقلا كمركز مساعد أو احتياطي.
فهل تمت دراسة هذه البدائل أصلًا؟ أم تم اختيار أسهل الحلول إداريًا: أغلق الباب وارفع المسؤولية؟
لماذا أُحيل القرار إلى مكتب الشرق الأوسط؟
السودان جغرافيًا وتشغيليًا أفريقي الانتماء، وتاريخه في منظومة منظمة الطيران المدني الدولي معروف. فكيف أصبح ملف إعادة فتح أجوائه بيد مكتب إقليمي بعيد عن خصوصيته التشغيلية؟ ولماذا لم يتحرك السودان بقوة داخل مجموعة أفريقيا والاقليم الأفريقي للملاحة الجوية لاستعادة زمام المبادرة؟
ثم ما قصة فريق CCT الذي قيل إنه أصبح مرجعية القرار؟ وإذا كان هذا الفريق لم يجتمع منذ نوفمبر 2025، فكيف يُجمّد مجال جوي لدولة كاملة بانتظار لجنة لا تجتمع؟
من صاحب القرار الحقيقي؟
هذا هو السؤال الأهم.
- هل القرار فني من الملاحين والخبراء؟
- أم أمني من جهات خارج السلطة الفنية؟
- أم إداري من مسؤول يخشى التوقيع؟
- أم خارجي من لجان واستشارات؟
إذا غاب صاحب القرار، ضاع القرار نفسه.
الإغلاق ليس سياسة
الإغلاق الكامل قد يكون مبررًا لأيام أو أسابيع أثناء الذروة، لكنه لا يمكن أن يصبح نموذج إدارة دائمًا. الدولة التي لا تدير مجالها الجوي تفقد موردًا سياديًا واقتصاديًا واستراتيجيًا.
و الأشد ألمًا أن السودان يملك كوادر وخبرات تاريخية في المراقبة الجوية والملاحة، وكان من أوائل الدول الأفريقية ذات الحضور المهني المحترم. فكيف انتهى به الحال إلى انتظار لجنة لا تجتمع؟
المطلوب الآن
ليس التبرير، بل الشفافية:
- نشر أسباب استمرار الإغلاق.
- إعلان تقييم المخاطر الحقيقي.
- دراسة فتح الطبقات العليا فورًا.
- اعتماد المراقبة الإجرائية حيثما تعذر الرادار.
- وضع جدول زمني معلن للفتح التدريجي.
- تحديد الجهة المسؤولة عن القرار ومحاسبتها.
خاتمة
حين تفتح الدول أجواءها بعد الأزمات، فإنها تعلن عودة الدولة إلى العمل. أما استمرار إغلاق المجال السوداني بلا تفسير واضح، فهو إعلان معكوس: أن القرار غائب، وأن السهل انتصر على الصحيح.
فمن يعيد للسودان سماءه؟ ومن يملك الشجاعة ليقول: كفى إغلاقًا… حان وقت الإدارة.
طيران بلدنا
