خطر تقليص العاملين..أدركوا ما تبقى من الدولة قبل أن يُفتح باب الخراب على مصراعيه

خطر تقليص العاملين..أدركوا ما تبقى من الدولة قبل أن يُفتح باب الخراب على مصراعيه

بقلم: إبراهيم عدلان

هناك لحظات في تاريخ الأمم لا تكون فيها الأخطاء مجرد قرارات إدارية سيئة، بل تتحول إلى قنابل موقوتة تُزرع في جسد الدولة لتنفجر لاحقاً في وجه الجميع. وإن صحّ ما يجري تداوله بشأن الاتجاه نحو تقليص واسع للعاملين في الخدمة المدنية تحت مسميات فنية وإدارية، فإن الأمر لا يمكن وصفه بالإصلاح ولا إعادة الهيكلة، بل سيكون اندفاعاً خطيراً نحو حافة هاوية لا يُعرف قاعها.

سلطة الطيران المدني تقدم دعماً مادياً لمتضرري السيول والفيضان

إن العبث بالخدمة المدنية في هذا التوقيت يشبه من يحاول إنقاذ سفينة تتسرب إليها المياه بأن يقوم بخلع ألواحها الأساسية. لا توجد دولة خرجت من أزمات أو حروب ثم قررت معالجة ضعفها المؤسسي بتجريف كوادرها البشرية، ولا توجد دولة أعادت بناء نفسها بتوسيع دوائر البطالة واليأس والإحباط. فالأوطان لا تُبنى بقرارات مرتجلة تصدر تحت ضغط الأزمة، وإنما تُبنى برؤية وبصيرة وحسابات دقيقة.

السودان اليوم ليس دولة مستقرة تعيش فائضاً اقتصادياً يسمح لها بتجريب وصفات إدارية غير محسوبة. السودان يعيش واحدة من أعقد مراحله؛ حرب أنهكت الإنسان والبنية التحتية، ونزوح شرد الملايين، ومؤسسات تعليم تعطلت، وأسر فقدت مصادر دخلها، ومواطن أصبح يقاتل يومياً من أجل البقاء. وفي مثل هذا الواقع، يصبح المساس بمصدر رزق آلاف الأسر مغامرة قاسية لا تُحسب نتائجها بالأرقام فقط، وإنما بنتائجها الاجتماعية والأمنية والسياسية.

فالوظيفة الحكومية في الظروف الطبيعية قد تكون وظيفة عادية، لكنها في ظروف السودان الراهنة تمثل في كثير من الأحيان الحبل الأخير الذي يتعلق به مواطن أنهكته الأزمات. وعندما يُقطع هذا الحبل دون بدائل حقيقية، فإننا لا نتحدث عن موظفين فقدوا أعمالهم فقط، بل عن أسر ستفقد استقرارها، وأطفال قد يغادرون مقاعد الدراسة، ومجتمعات ستُدفع أكثر نحو الفقر والعوز.

لكن الأخطر من القرار نفسه هو الافتراض الخاطئ بأن معالجة التشوهات الإدارية لا تتم إلا بتقليص العاملين والاستغناء عنهم. فالعالم لم يعد يعالج الترهل الإداري عبر الإقصاء الجماعي، وإنما عبر إصلاحات هيكلية مدروسة تحفظ الإنسان وتحافظ على الدولة في الوقت ذاته.

هناك بدائل عملية ومسؤولة يمكن أن تحقق أهداف الإصلاح دون تحويل آلاف الأسر إلى ضحايا جديدة للأزمة. فمن الممكن تجميد التوظيف الجديد لفترة محددة حتى تستعيد مؤسسات الدولة توازنها، مع عدم شغل الوظائف الشاغرة الناتجة عن التقاعد أو الاستقالات إلا بعد مراجعة الحاجة الفعلية لها. كما يمكن إعادة توزيع العاملين بين الإدارات والمؤسسات المختلفة لمعالجة الاختلالات وسد العجز في بعض القطاعات بدلاً من فقدان الخبرات البشرية.

كذلك فإن برامج التدريب وإعادة التأهيل المهني تمثل خياراً أكثر حكمة، لأنها تمنح العاملين فرصة التكيف مع المتغيرات الإدارية والتقنية، بدلاً من دفعهم مباشرة إلى دائرة البطالة. كما أن التحول التدريجي نحو الخدمات الإلكترونية والرقمنة يمكن أن يسهم في رفع الكفاءة وتقليل الحاجة إلى بعض الوظائف التقليدية بصورة طبيعية ومتدرجة، دون صدمات اجتماعية أو إنسانية عنيفة.

إن الإصلاح الإداري الحقيقي لا يبدأ بقوائم الحذف والاستبعاد، بل يبدأ بإيقاف الهدر المالي، ومراجعة الهياكل التنظيمية، ومحاربة الفساد، وإعادة تعريف الأولويات الوطنية. أما اللجوء إلى معالجات سريعة تحت ضغط الأزمة فلن ينتج سوى أزمة أكبر.

إن المطلوب اليوم ليس الدفاع عن الترهل الإداري إن وجد، ولا حماية الأخطاء المتراكمة داخل أجهزة الدولة، بل حماية ما تبقى من فكرة الدولة نفسها. فحين تنهار الخدمة المدنية لا تسقط الوظائف وحدها، بل تسقط معها ذاكرة المؤسسات وخبراتها وقدرتها على النهوض من جديد.

إن الدول قد تموت أحياناً بطلقة، لكنها كثيراً ما تموت بقرارات صغيرة يظن أصحابها أنها مجرد إجراءات إدارية عابرة. والخطر الحقيقي ليس في قرار واحد، بل في العقلية التي ترى الإنسان رقماً يمكن شطبه، وترى الدولة ميزانية يمكن موازنتها بإلغاء البشر.

إذا كان هناك من رسالة ينبغي أن تُقال اليوم فهي: لا تُجَرِّبوا في جسد السودان المنهك وصفات ارتجالية جديدة، فقد تعب الوطن من التجارب، وتعب المواطن من دفع ثمن الأخطاء.

إبراهيم عدلان
17 مايو 2026

Exit mobile version