رسوم عبور الطائرات بعد الحرب 1_2..هل حان وقت إعادة بناء الطيران المدني السوداني برؤية اقتصادية جديدة؟

رسوم عبور الطائرات بعد الحرب 1_2..هل حان وقت إعادة بناء الطيران المدني السوداني برؤية اقتصادية جديدة؟

كتب:عزيز الجمل

لم يعد النقاش حول رسوم عبور الطائرات في السودان مجرد جدل مهني بين شركة المطارات وسلطة الطيران المدني وخدمات الملاحة الجوية، بل أصبح مدخلًا واسعًا لإعادة التفكير في مستقبل قطاع الطيران المدني السوداني كله، وفي دوره الاقتصادي والسيادي بعد الحرب.

رسوم عبور الطائرات.. (كلاكيت تاني مرة)

فالحقيقة التي لا يمكن تجاوزها اليوم هي أن الحرب لم تُدمّر البنية التحتية للمطارات فحسب، بل عطّلت أصل المورد نفسه، بعد إغلاق المجال الثجوي السوداني وتوقف الجزء الأكبر من حركة العبور الجوي (ڨ Traffic)، وهو ما أدى عمليًا إلى تراجع أو توقف عائدات رسوم العبور التي كانت تمثل أحد أهم الموارد المرتبطة بالقطاع.

ومن هنا يصبح النقاش حول “من يستحق رسوم العبور؟” ناقصًا إذا لم يُطرح معه السؤال الأهم:

كيف نعيد بناء قطاع الطيران المدني ليصبح جزءًا من مشروع التعافي الاقتصادي الوطني؟

فالواقع الحالي يفرض الاعتراف بأن عودة رسوم العبور إلى مستوياتها السابقة لن تكون ممكنة ما لم:

⁃ تتوقف الحرب بصورة كاملة
⁃ ويُعاد فتح المجال الجوي السوداني بثقة
⁃ وتستعيد الدولة استقرارها الأمني والتشغيلي
⁃ وتُرفع كفاءة البنية التحتية والخدمات الجوية

لأن شركات الطيران العالمية لا تتعامل فقط مع الخرائط الجغرافية، بل مع معايير:-
السلامة (Safety)
الاستقرار التشغيلي (Operational Stability)
الجاهزية الفنية (Operational Readiness)
وكفاءة البنية التحتية (Infrastructure Reliability)

وهنا تظهر أهمية الانتقال من عقلية “إدارة الأزمة” إلى عقلية “إعادة بناء القطاع”.

وفي هذه المرحلة تحديدًا، سيحتاج قطاع الطيران المدني إلى دعم حقيقي ومباشر من الدولة، ليس فقط لإعادة فتح المجال الجوي، بل كذلك لإعادة بناء قدرات الملاحة الجوية وتحديث أنظمة الاتصالات والرادارات وأجهزة المراقبة الجوية (CNS/ATM Systems)، وتأهيل المطارات والبنية التحتية التشغيلية وفق المعايير الدولية.

فالدولة في هذه المرحلة لا ينبغي أن تنظر إلى الصرف على قطاع الطيران باعتباره تكلفة، بل باعتباره استثمارًا استراتيجيًا طويل المدى. لأن العائد الحقيقي سيظهر لاحقًا عبر:-
⁃ استعادة رسوم العبور
⁃ زيادة الحركة الجوية
⁃ تنشيط الصادرات
⁃ جذب الاستثمارات
⁃ تنشيط السياحة والتجارة
⁃ فتح فرص عمل
⁃ وتحويل السودان إلى نقطة ربط إقليمية فعالة

فالطيران المدني ليس مجرد قطاع خدمي، بل أحد أهم محركات الاقتصاد الوطني (Economic Enabler)، خاصة في دولة مثل السودان تمتلك:
⁃ موارد زراعية ضخمة
⁃ ثروات معدنية وبترولية
⁃ صادرات حيوانية
⁃ وموقعًا جغرافيًا استراتيجيًا يربط أفريقيا بالعالم العربي

وفي مثل هذه الدول، لا تُقاس قيمة المطارات فقط بعدد الرحلات، بل بقدرتها على دعم:
⁃ الصادرات (Exports Support)
⁃ سلاسل الإمداد (Supply Chain Connectivity)
⁃ حركة الشحن الجوي (Air Cargo)
⁃ الربط الإقليمي (Regional Connectivity)
⁃ وجذب الاستثمار والتجارة

فكل دولار يُصرف على تطوير المطارات لا ينبغي النظر إليه باعتباره “عبئًا تشغيليًا”، بل استثمارًا اقتصاديًا طويل المدى.

لأن المطار الحديث لم يعد مجرد مدرج وصالة سفر، بل منصة اقتصادية متكاملة (Economic Gateway).

ولهذا فإن تطوير المطارات السودانية ورفع جودة الخدمات بها، مع توفير وقود الطائرات بأسعار تنافسية (Competitive Fuel Pricing)، يمكن أن يحول السودان من مجرد ممر لعبور الطائرات إلى مركز إقليمي جاذب للحركة الجوية.

فالكثير من شركات الطيران لا تبحث فقط عن أقصر مسار جوي، بل تبحث عن:
⁃ مطارات آمنة
⁃ خدمات سريعة
⁃ رسوم معقولة
⁃ وقود منافس
⁃ خدمات صيانة ومناولة جيدة
⁃ ومرونة تشغيلية عالية

وعندما تتوفر هذه العناصر، فإن الطائرات لن تكتفي بالعبور، بل ستفضّل الهبوط للتزود بالوقود والخدمات الفنية والتموين والصيانة، وهو ما يحوّل المطارات إلى مراكز محورية (Hub Airports) تخدم الاقتصاد الوطني والإقليم معًا.

وهذا بدوره ينعكس مباشرة على شركات الطيران السودانية نفسها، لأن نجاح أي ناقل وطني يرتبط بوجود:

⁃ بنية مطارية قوية
⁃ شبكات ربط فعالة (Connectivity)
⁃ تكاليف تشغيل تنافسية
⁃ وبيئة تشغيل مستقرة

ولذلك فإن دعم المطارات لا يخدم شركة المطارات وحدها، بل يخدم:

⁃ الاقتصاد الوطني
⁃ الصادرات السودانية
⁃ الاستثمار
⁃ شركات الطيران
⁃ وربط السودان بالأسواق الإقليمية والعالمية

تحية و احترام

نواصل في الحلقة الثانية
( ما هو السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغل الجميع.)

Exit mobile version