“حوالات الأقارب”.. السلاح السري الذي يحمي الأسر السودانية في مصر من الانهيار

"حوالات الأقارب".. كيف صمدت الأسر السودانية في مصر بفضل شبكة تكافل لا تنكسر؟

حين اندلعت الحرب في السودان أبريل 2023، خرج الملايين من بيوتهم بلا مدخرات ولا ضمانات، لكن ما لم تستطع الحرب تدميره كان شيئًا أعمق من المال: شبكة التكافل الأسري الممتدة التي حوّلت “حوالات الأقارب” إلى طوق نجاة حقيقي لآلاف الأسر السودانية اللاجئة في مصر، في نموذج إنساني لفت أنظار الباحثين والاقتصاديين على حد سواء.

على متنه 1100.. راكب انطلاق قطار العودة الطوعية من القاهرة إلى السودان

تحويلات المقيمين في السعودية تتجاوز 44 مليار دولار خلال 2025

من واشنطن وكندا إلى مدينة نصر والهرم.. المال يعبر الحدود

تحكي الفتاة العشرينية نون العيسابي كيف تكفّل خالها المقيم في الولايات المتحدة بأسرتها كاملةً منذ اندلاع الحرب، مُرسِلًا ما يقارب 1400 دولار شهريًا أتاح لعائلتها العيش باستقرار في حي مدينة نصر بالقاهرة. وتقول بلا تردد: “لا أستحيي أن أطلب من خالي أو ابن خالة أمي، فالعائلات السودانية ممتدة وتجمعها صلات عميقة، ولا غضاضة في أن يتكفل المقتدر بالمتعثر”.
وهذا النمط ليس استثناءً بل قاعدة؛ إذ يؤكد إبراهيم عز الدين، الأمين العام للجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، أن التكافل العائلي كان “سببًا رئيسيًا في صمود كثير من الأسر خارج وطنها”، مشيرًا إلى أن هذه الحوالات لا تقتصر على الأقارب المباشرين بل تمتد لتشمل المعارف والجيران. وتكشف جولة على مكاتب الصرافة في أحياء فيصل والهرم والمهندسين ومدينة نصر عن حجم هذه التحويلات الهائل، وفق الخبير الاقتصادي المصري وائل النحاس.

بنية تنظيمية بديلة.. رأس مال اجتماعي لا يُشترى

لا يرى الباحث الأنثروبولوجي عبد الجليل سليمان في هذا التكافل مجرد سلوك عاطفي عابر، بل يصفه بأنه “بنية ثقافية راسخة تشكّلت تاريخيًا في مجتمع يعتمد على الروابط العائلية الممتدة”، مُشيرًا إلى أن العشيرة والقرابة تُعيد توزيع الموارد داخل الشبكة الأسرية لتمتد المسؤولية إلى أبناء العمومة وما هو أبعد، معززةً بمنظومة قيم الكرم والنجدة والواجب الديني والأخلاقي.
ويصف صحفي سوداني غادر إلى كندا تاركًا أسرته وأسرة شقيقته في مصر وهو يتكفل بهما معًا، هذا النمط بأنه “بنية تنظيمية بديلة تُعيد إنتاج التوازن داخل المجتمع في ظل الضغوط الاقتصادية”، لا مجرد مساعدة موقتة.
وتُقدّر أرقام المنظمة الدولية للهجرة عودة أكثر من 538 ألف سوداني من مصر إلى بلادهم بين يناير 2024 وفبراير 2026، يمثلون نحو 87% من مجمل العائدين من دول الجوار، في حين يواصل رجال أعمال من الجالية تمويل رحلات العودة الطوعية وتوفير طائرات لإعادة المحتجزين لمخالفات الإقامة، في امتداد طبيعي لروح التكافل ذاتها.

Exit mobile version