تعقيب على مقال “خريجو هندسة الطيران بالسودان.. صرخة في وادي الصمت”

تعقيب على مقال “خريجو هندسة الطيران بالسودان.. صرخة في وادي الصمت”

بقلم:إبراهيم عدلان

سلّط تقرير “طيران بلدنا” الضوء على معاناة خريجي هندسة الطيران، وهي معاناة حقيقية تستحق الاهتمام. غير أن القضية في واقع الأمر أوسع من ذلك بكثير، فهي تشمل معظم خريجي تخصصات الطيران المختلفة من مراقبة جوية وملاحة جوية وسلامة طيران ونقل جوي وإدارة مطارات وهندسة وصيانة الطائرات وغيرها من التخصصات المرتبطة بصناعة الطيران.

خريجو هندسة الطيران بالسودان.. صرخة في وادي الصمت

وفي تقديري، فإن معالجة هذه القضية تتطلب تبني مقاربة مختلفة (Different Approach) تقوم على إعادة النظر في العلاقة بين التعليم وسوق العمل في قطاع الطيران.

أولاً، يجب الاعتراف بأن قطاع الطيران السوداني محدود الحجم والاستيعاب مقارنة بأعداد الخريجين، الأمر الذي يجعل التوظيف التقليدي غير قادر على استيعاب الجميع.

ثانياً، ينبغي تعزيز التدريب أثناء العمل (OJT) والبحث العلمي التطبيقي وربط مشاريع التخرج بالتحديات الحقيقية التي تواجه القطاع، حتى يتحول الخريج من طالب للوظيفة إلى مساهم في إنتاج المعرفة والحلول.

ثالثاً، من المهم فتح برامج تدريب مهني (Internship) بالتعاون مع شركات الطيران والمطارات وسلطة الطيران المدني والمؤسسات ذات الصلة، بما يسمح للخريجين باكتساب الخبرة العملية اللازمة.

وربما يكون من المفيد التفكير في إنشاء قاعدة بيانات وطنية أو (Pool) تضم جميع خريجي الأكاديميات والمعاهد والجامعات السودانية المتخصصة في الطيران المدني، بحيث تصبح هذه القاعدة المرجع الأول عند البحث عن الكفاءات للمشروعات والدراسات والتدريب والتوظيف وكل الأنشطة المرتبطة بقطاع الطيران.

فالمعرفة لا تضيع بالتقادم، بل هي كنز وطني يجب المحافظة عليه والبناء عليه. وقد لا يجد الخريج وظيفة مباشرة فور تخرجه، لكنه يظل حاملاً لرصيد معرفي يمكن الاستفادة منه في مشروعات التطوير وإعادة الإعمار والدراسات الفنية والبحوث والتدريب.

إن السودان في مرحلة إعادة بناء لمؤسساته وبنيته التحتية، وسيحتاج عاجلاً أم آجلاً إلى كل عقل مؤهل وكل معرفة متخصصة. لذلك فإن الحفاظ على خريجي الطيران داخل دائرة الاهتمام المهني، وتجميعهم في منصة أو قاعدة بيانات وطنية، يمثل استثماراً في المستقبل أكثر من كونه معالجة لمشكلة آنية.

فالطيران المدني لا يُبنى بالطائرات والمطارات وحدها، وإنما يُبنى أولاً بالعقول والمعرفة والخبرات الوطنية.

Exit mobile version