الطيران المدني.. الزمن الجميل (3)..تفاصيل ذات صلة بقسم شؤون العاملين: أسرار المهنة
صلاح عثمان
أشرف نخبة من الخبراء من وزارة المالية والاقتصاد الوطني، ووزارة الخدمة العامة والإصلاح الإداري، وديوان شؤون الخدمة المدنية، على الدورة التدريبية المكثفة لمساعدي المفتشين المتدربين. وكان من بين هؤلاء الخبراء الدكتور علي حسن تاج الدين، رئيس إدارة المأموريات بديوان شؤون الخدمة، والسياسي المعروف وعضو مجلس السيادة الأسبق، وشقيق الأستاذ عبد الرحمن حسن تاج الدين ضابط المطار. وينتمي الاثنان إلى بيت تاج الدين المعروف في دارفور والمشهور على نطاق السودان وأفريقيا.
شؤون الأفراد والعلاقات العامة في مصلحة الطيران المدني السوداني… أيام كان النظام مؤسسةً والإنسان قيمة
أسدى أولئك الخبراء درراً من النصائح للمتدربين، منها:
أولاً: الباشكاتب وإجراء اللازم
نظراً لعدم الإلمام المسبق لمساعدي المفتشين بالإجراءات الوظيفية اليومية، فقد نصح الخبراء بتحويل المعاملات والاستشارات المختلفة المعروضة عليهم بكل هدوء وثقة بعبارة: “الباشكاتب لإجراء اللازم”، علماً بأنهم في تلك المرحلة لم يكونوا يعرفون ماهية “اللازم” المطلوب إجراؤه.
عندها كان “الباشكاتب” يتولى تجهيز المعاملة أو الرد على الاستشارة وفقاً للوائح، ثم يعيدها إلى مساعد المفتش الذي ينبغي عليه دراستها واستيعابها بغرض التعامل مع مثيلاتها مستقبلاً، ثم توقيعها، وهكذا دواليك.
وجدير بالذكر أن كلمة “الباشكاتب” أصلها “باش كاتب”، وهي مكونة من شقين: “باش” كلمة تركية، و”كاتب” كلمة عربية، وتعني رئيس الكُتّاب أو كبيرهم في المؤسسات والدواوين الحكومية.
أما في اللغة الدارجة، فتعني الموظف التقليدي الذي يتبنى الروتين المكتبي ويفضل العمل الورقي على الإلكتروني. وللكلمة استخدامات ثقافية وفنية عديدة ليس هذا مقام تناولها. وقد أُطلق لقب “الباشكاتب” على الموسيقار الفنان الراحل محمد الأمين بمدينة ود مدني، وساهم الصحفي والناقد الفني الأستاذ ميرغني البكري في انتشار اللقب، رغم عدم ارتياح الفنان محمد الأمين له.
وخلال عقد السبعينيات، كان “الباشكتبة” في مختلف الدوائر الحكومية يتبعون لإدارة الكشف الكتابي، ويتولون الإشراف على الكتبة الملحقين بتلك الجهات. وكان دور الباشكاتب حينها يشبه دور المايسترو في الفرق الموسيقية؛ إذ كان مسؤولاً عن تنسيق مهام الكتبة، ومتابعة أدائهم، وتوجيههم، ورفع تقاريرهم بغرض التقييم أو الترقية أو غير ذلك. أما الجانب الأهم فكان نقل خبراته الواسعة في العمل المكتبي إلى الأجيال اللاحقة.
وإنصافاً لباشكتبة الطيران المدني الذين تعلمت منهم المهنية وقواعد التعامل المكتبي والمثابرة والاحترام المتبادل والكثير من القيم المهنية، يسعدني توثيق أسمائهم أدناه:
السيد محيي الدين
من أحفاد بعانخي وتهراقا (الكشف الكتابي).
السيد قرشي محمد إبراهيم (الكشف الكتابي).
تعلمت منه الكفاح من أجل غدٍ أفضل. كان مقيماً بمدينة الثورة بأم درمان، ويتجه عادة بعد انتهاء ساعات العمل إلى جامعة القاهرة – فرع الخرطوم – لإكمال دراسته الجامعية.
السيد مصطفى أحمد متولي (الكشف الكتابي).
من الرموز خلقاً وأدباً، وكان يتسم باحترام الآخرين، فلم يكن أمام الجميع إلا مبادلته الاحترام.
السيد طلعت عثمان مكي.
قادم من ديوان شؤون الخدمة، وكان كريماً. وقد سعدت ذات مرة بتلبية دعوته برفقة أسرة المكتب لتناول إفطار شهر رمضان الكريم بمنزله العامر بسوق الشجرة، الحي الأمدرماني العريق.
السيد إبراهيم أحمداني (الكشف الكتابي).
كان بشوشاً، وحكماً معروفاً في مجال كرة القدم، وذا معرفة واسعة ببدايات كرة القدم في السودان.
ختام الكوكبة
خارج تصنيف “الباشكتبة”، يبرز اسم السيد محمد بابكر عبد الله، مسؤول التوظيف وسجل الموظفين.
كان هادئاً وقوراً، ولم يكن “باشكاتباً” بحكم الدرجة الوظيفية، غير أن أداءه كان يؤهله لذلك التصنيف، إضافة إلى استحقاقه لقب مساعد مفتش فخري. لذلك لم يكن من الإنصاف تجاوزه عند التوثيق.
وقد سعدت كثيراً عندما علمت بنجاحه الوظيفي بعد تأهله بالمعهد القومي للطيران المدني ضابطاً للمطار، إثر القرار الشهير الصادر عام 1975م بتأهيل شاغلي الوظائف الكتابية، علماً بأنه كان أيضاً حكماً مميزاً لكرة القدم.
ثانياً: يحدثونك عن “الفِكّة”
تم نصحنا بعدم انتظار الصراف أو الاستفسار عن أي “فِكّة” (قطع نقدية معدنية) يتضمنها المرتب.
ولعل ذلك الفهم قد أدى لاحقاً إلى نتائج عكسية، وأسفر عن ممارسات مؤسفة من قبل بعض أمناء الخزائن في عدد من الوحدات الحكومية، حيث تجاوز الاهتمام بـ”الفِكّة” حدودها الطبيعية ليصل إلى جيوب العاملين، الأمر الذي أسهم في تغذية أخطبوط الفساد وخروجه عن السيطرة.
وللأسف، فقد عايشت بعض الحالات التي تعرض لها عدد من العاملين، مع تحملي مسؤولية القصور في حسمها، وهو ما سأتناوله لاحقاً في إطار نقد ذاتي صريح لبعض الجوانب.
وعموماً، فقد غمرتنا الفرحة ونحن نسجل انضمامنا للخدمة المدنية باستلام أول مرتب من خزانة وزارة المالية والاقتصاد الوطني (من دون فِكّة).
خلاصة
كان صدى توجيهات الخبراء إيجابياً لدى جميع المتدربين المعنيين.
وسأخصص “بوستاً” إرشادياً لمسؤولي الموارد البشرية الجدد، استناداً إلى تجربتي العملية بالطيران المدني وعملي خارج السودان.
إلى لقاء متجدد مع البوست (4) بعنوان:
“العبور إلى الطيران المدني”
دمتم جميعاً بخير وصحة وعافية.
أخوكم
صلاح عثمان
ضابط أول شؤون العاملين / العلاقات العامة
مصلحة الطيران المدني (الأصل)
