سودافاكس ـ في كل مؤسسة، يمثل المدير المباشر خط الدفاع الأول عن العاملين، والجسر الذي تعبر عبره مطالبهم إلى دوائر اتخاذ القرار. لذلك تكون الصدمة مضاعفة عندما يكتشف الموظفون أن من يفترض أن يكون صوتهم أصبح صوتاً عليهم، وأن من ينتظرون منه الدعم والمؤازرة بات يرى في مطالبهم عبئاً، وفي دعواتهم للإصلاح مجرد “كلام فارغ” على حد تعبير أحد مدراء الإدارات بشركة مطارات السودان المحدودة.
هذه هي المرارة التي يعيشها العامل عندما يتحول مديره من ممثل لفريقه إلى مدافع عن الإدارة العليا في كل الأحوال، ومن ناقل للمطالب المشروعة إلى حاجز يقف بينها وبين أصحاب القرار.
الأشد قسوة من تأخر الحقوق نفسها، أن تُمنح هذه الحقوق وكأنها مِنّة أو فضل شخصي، لا استحقاق قانوني وواجب مؤسسي فيسمع الموظف كلاما جارحا من قبيل : ” نحن اديناك ونحن سوينا ليك وانت ما المفروض تتكلم … الخ ” كلام يهين الكرامة وينتهك الإنسانية . فالعامل الذي أفنى سنوات عمره في خدمة المؤسسة لا ينتظر إحساناً من أحد، وإنما يطالب بحقوق كفلها القانون واللوائح وأبسط مبادئ العدالة الوظيفية.
شركة مطارات السودان أمام “ورطة” حقيقية
و حين ترتفع الأصوات مطالبة بالإصلاح، وتحسين بيئة العمل وشروط الخدمة ، وتسوية الاستحقاقات، ومعالجة الاختلالات الإدارية، يفترض أن تجد هذه المطالب آذاناً صاغية وعقولاً منفتحة. لكن الصدمة تكون أكبر عندما تُقابل بالاستخفاف والتقليل من شأنها، ويُوصم أصحابها بأنهم مثيرو مشاكل أو أصحاب “كلام فارغ”، وكأن الحرص على المؤسسة أصبح جريمة، والسعي إلى إصلاحها تهمة تستوجب العقاب.
و الأخطر من ذلك أن يتحول الاختلاف في الرأي إلى مبرر للتهديد بالعقوبات الإدارية أو التلويح بالإجراءات التأديبية. فالمؤسسات الناجحة لا تخشى النقد، بل تعتبره وسيلة للتطوير وتصحيح المسار. أما المؤسسات التي تضيق بالرأي الآخر، فإنها تخاطر بفقدان أهم مواردها: الثقة والولاء والشعور بالانتماء.
و في شركة مطارات السودان المحدودة، حيث تتزايد تساؤلات العاملين فيها عن الملفات العالقة ، كان الأمل أن يجد الموظفون من يحمل همومهم إلى الإدارة العليا، لا من يتولى مهمة تبرير كل ما يصدر عنها، والدفاع عنها في كل الظروف، بصرف النظر عن عدالة المطالب أو مشروعيتها.
فالقيادة ليست ترديد ما ترغب الإدارة في سماعه، وليست الوقوف مع الطرف الأقوى دائماً، وإنما القدرة على نقل الحقيقة كما هي، والدفاع عن الحقوق كما يتم الدفاع عن الواجبات، وتحقيق التوازن بين مصلحة المؤسسة وكرامة العاملين فيها.
و يبقى السؤال الذي يردده كثير من العاملين بصوت خافت خوفاً من العقوبة الإدارية ، لكنه يظل قائماً ومشروعاً :
إذا كان المدير المباشر لا يسمع صوتنا، ولا ينقل مطالبنا، ولا يدافع عن حقوقنا، بل يرى في دعوات الإصلاح “كلاماً فارغاً”، فمن الذي سيتولى هذه المهمة ؟! …
طيران بلدنا
