تمتلك شركة مطارات السودان المحدودة واحداً من أهم الأصول الاستراتيجية في البلاد، فهي الجهة التي تدير بوابات السودان الجوية وتمثل واجهة الدولة أمام العالم. ولم تكن الشركة في يوم من الأيام مجرد مؤسسة خدمية عادية، بل كانت أحد أهم الروافد الاقتصادية والفنية في قطاع النقل الجوي، بما تمتلكه من أصول وخبرات وإمكانات تؤهلها للعب دور محوري في دعم الاقتصاد الوطني.
الي مدير شركة مطارات السودان المحدودة.. الطبيعة ضد الفراغ!
ومع اندلاع الحرب وما ترتب عليها من تحولات كبيرة في حركة الطيران وانتقال النشاط إلى بورتسودان، سنحت للشركة فرصة استثنائية لإعادة بناء نفسها واستعادة مكانتها وترتيب أولوياتها بما يتناسب مع الواقع الجديد. غير أن ما حدث خلال الفترة الماضية يثير الكثير من الأسئلة المشروعة حول الاتجاه الذي تسير فيه الشركة.
فعندما ننظر إلى أولويات الصرف والتنفيذ نجد أن بعض المشروعات التي أُنفقت عليها مبالغ كبيرة خلال فتره الحرب لا تتناسب مع احتياجات المرحلة. ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما تم تنفيذه فيما سُمي بمشروع صاله الحج بمطار بورتسودان. فالمشروع لم يتمثل في إنشاء صالة متكاملة تضيف طاقة تشغيلية حقيقية للمطار أو تسهم في معالجة الاختناقات المتوقعة خلال مواسم السفر، وإنما انصب في جانب كبير منه على إنشاء غرف ومنشآت محدودة الفائدة لا تحقق أثراً تشغيلياً يتناسب مع حجم الإنفاق الذي تم عليها.
وكان الأجدى، من وجهة نظر فنية واقتصادية، أن يتم توجيه هذه الموارد لإنشاء صالة مساندة للصالة الحالية، بما يسهم في زيادة الطاقة الاستيعابية للمطار وتخفيف الازدحام وتحسين مستوى الخدمة للمسافرين. أما أن تُصرف الأموال على منشآت لا تقدم قيمة مضافة حقيقية، فإن ذلك يثير تساؤلات مشروعة حول سلامة الأولويات وكفاءة إدارة الموارد.
غير أن القضية لا تقف عند حدود الإنفاق فقط، بل تمتد إلى ملف الإيرادات والتحصيل، وهو الملف الأخطر في أي مؤسسة اقتصادية. فالشركة تعاني من ضعف واضح في تحصيل مستحقاتها المالية، بينما تتزايد المديونيات المستحقة لها لدى بعض الجهات، وعلى رأسها شركات الطيران.
وتأجيل سداد المديونيات أو التغاضي عنها لفترات طويلة وغير محدده دون اتخاذ إجراءات حاسمة تحفظ حقوق الشركة وأموالها، فإن الخسارة هنا لا تقع على الشركة وحدها، بل على الدولة والعاملين وكل من يرتبط بمستقبل هذه المؤسسة.
إن أي إدارة ناجحة تقاس بقدرتها على حماية موارد المؤسسة وتنمية إيراداتها، لا بتبرير تعثر التحصيل أو التساهل في استرداد الحقوق المالية. ولذلك فإن استمرار هذا الوضع ينعكس مباشرة على الموقف المالي للشركة ويحد من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتطوير خدماتها.
أما العاملون، وهم رأس المال الحقيقي للشركة، فقد كانوا الأكثر تضرراً من هذه السياسات. فإلى جانب الانخفاض الحاد في القيمة الحقيقية للمرتبات بسبب التدهور الاقتصادي المتسارع، لم يتسلم العاملون حتى الآن جانباً كبيراً من مستحقاتهم المالية الخاصة بالعام الحالي.
لقد أصبح العامل يواجه معادلة قاسية مرتبات فقدت معظم قوتها الشرائية، ومستحقات متأخرة، وارتفاعاً متواصلاً في تكاليف المعيشة، في وقت تستمر فيه المؤسسة في فقدان موارد كان يمكن أن تسهم في تحسين أوضاعها وأوضاع منسوبيها.
ولعل أخطر ما في الأمر أن هذا الواقع لم يعد يؤثر على العاملين فقط، بل بدأ ينعكس على سمعة الشركة في السوق وعلى ثقة المتعاملين معها. فالمؤسسات لا تُقاس بحجم أصولها فحسب، بل بقدرتها على إدارتها بكفاءة وتحويلها إلى قيمة اقتصادية حقيقية.
وعندما نجمع بين سوء ترتيب الأولويات في الصرف، وضعف التحصيل، وتدهور أوضاع العاملين، يصبح من حق أي مراقب أن يتساءل هل ما يحدث مجرد أخطاء إدارية متفرقة، أم أن هناك نهجاً يقود عملياً إلى إضعاف الشركة وتقليص دورها وقدراتها وافشالها؟
لا أحد يملك حق إطلاق الاتهامات جزافاً، ولكن من حق الجميع أن يطالبوا بالمحاسبة والشفافية وتقييم الأداء. فالمؤسسات الوطنية لا تضعف فجأة، وإنما تضعف تدريجياً عندما تُهدر مواردها، وتتراجع أولوياتها، وتغيب المساءلة عن قراراتها.
إن شركة مطارات السودان المحدودة ما زالت تملك من المقومات ما يؤهلها للعودة إلى موقعها الطبيعي، ولكن ذلك يتطلب إدارة تضع مصلحة المؤسسة فوق كل اعتبار، وتحسن توظيف الموارد، وتحمي الإيرادات، وتنصف العاملين، وتعمل وفق رؤية استراتيجية واضحة.
فالمطارات ليست مجرد مبانٍ ومدارج، بل هي بوابات وطن، وإذا ضعفت الجهة التي تدير هذه البوابات فإن الخسارة لن تكون خسارة مؤسسة فحسب، بل خسارة وطن بأكمله.
سودافاكس
