رسوم عبور الأجواء خلال فترة الإنقاذ..أين ذهبت مليارات الدولارات؟

سودافاكس ـ يُعد قطاع الطيران المدني من أكثر القطاعات الاستراتيجية في أي دولة، ليس فقط لدوره في تنظيم النقل الجوي و ضمان سلامة الملاحة الجوية، وإنما أيضاً لكونه أحد أهم مصادر الإيرادات السيادية عبر رسوم عبور الأجواء. وفي السودان، مثلت هذه الرسوم على مدى عقود مورداً مهماً للعملات الحرة، إلا أن إدارتها وأوجه إنفاقها ظلت من أكثر الملفات غموضاً.

لم يكن استهداف نظام الإنقاذ لقطاع الطيران المدني عملاً عشوائياً، بل جاء في إطار رؤية سياسية وأمنية تشكلت قبل وصول الإسلاميين إلى السلطة.
فقد لفت الدور الإيجابي الذي لعبه العاملون في قطاع الطيران المدني في الإضراب السياسي الذي أسهم في إسقاط نظام الرئيس جعفر نميري عام 1985 أنظار الحركة الإسلامية إلى هذا القطاع، وهو ما انسجم مع ما ورد في أدبياتها، وفي مقدمتها ميثاق السودان لعام 1987، الداعي إلى إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة الاستراتيجية.

و منذ السنوات الأولى للإنقاذ، خضع قطاع الطيران المدني لإعادة هيكلة واسعة، ووُضع عملياً تحت وصاية المؤسسة العسكرية، وتولى قيادته في معظم تلك الفترة مديرون عامون جاء عدد منهم من القوات المسلحة أو كانوا محسوبين على التنظيم السياسي الحاكم. وأصبحت إدارة رسوم عبور الأجواء، وهي أحد أكبر موارد الدولة من العملات الحرة، تتم في ظل هيمنة السلطة التنفيذية، بعيداً عن القدر الكافي من الإفصاح المالي والرقابة المؤسسية.

أربعة مليارات دولار… تقدير يستحق التوقف

تشير التقديرات الفنية، المستندة إلى تطور حركة الطيران عبر الأجواء السودانية خلال الفترة من 1989 إلى 2019، إلى أن حصيلة رسوم عبور الأجواء تراوحت بين ثلاثة وخمسة مليارات دولار أمريكي، مع ترجيح أن تكون في حدود أربعة مليارات دولار. وإذا صح هذا التقدير، فإن رسوم العبور تمثل واحداً من أكبر الموارد السيادية التي دخلت خزينة الدولة خلال تلك الحقبة.

و رغم ضخامة هذه الإيرادات، لم تُنشر حسابات مالية سنوية توضح حصيلة الرسوم، أو كيفية توزيعها، أو حجم ما أُعيد استثماره في تحديث المطارات، وأنظمة الملاحة الجوية، و أجهزة الاتصالات و الرادارات، و تأهيل الكوادر.
كما أن هذه الموارد لم ينعكس أثرها على تطوير البنية التحتية للطيران المدني إلا في مجالات محدودة، و ظل القطاع يعاني من نقص واضح في الاستثمارات مقارنة بحجم الإيرادات التي كان يحققها.

التحصيل في ظل العقوبات

اكتسبت رسوم العبور أهمية استثنائية خلال سنوات العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي تشددت بعد تفجيري سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998. ففي ظل القيود المصرفية الدولية، أصبحت هذه الرسوم أحد أهم مصادر العملات الحرة للدولة.

و لضمان استمرار التحصيل، تم اللجوء إلى ترتيبات مالية خاصة عبر شركات و وكلاء خارج السودان، تولوا عمليات التحصيل و التحويل مقابل عمولات مالية. ومن أشهر هذه الترتيبات التعاقد مع شركة سويسرية لإدارة عمليات التحصيل، حيث كانت الأموال تحول إلى حساب تحويلي (Screw Account)، ثم تدار عبر حسابات في بنك إثمار البحريني، ولاحقاً عبر بنك الخرطوم – فرع البحرين، وفق الآلية التي اعتمدتها وزارة المالية وسلطة الطيران المدني آنذاك.

لغز الأربعة ملايين يورو

من أكثر الوقائع إثارة للتساؤل في هذا الملف ما أثير حول مبلغ يقارب أربعة ملايين يورو ظهر في حساب بنك إثمار. فقد تداولت معلومات تفيد بأن المبلغ جرى تجنيبه باعتباره فوائد ربوية، ثم سُحب لاحقاً بقرار من أحد مسؤولي بنك السودان المركزي. وفي المقابل، قيل إن بنك إثمار أوضح أن المبلغ أضيف إلى الحساب نتيجة خطأ مصرفي، و ليس باعتباره فوائد مستحقة.

و من واقع مسؤوليتي السابقة واهتمامي بتوثيق هذا الملف، لم أكتفِ بما كان متداولاً، بل كلفت محامياً في المنامة بمتابعة القضية والبحث في المستندات والسجلات ذات الصلة، وذلك بالتنسيق وتحت إشراف سفارة جمهورية السودان في مملكة البحرين. ورغم الجهود التي بُذلت، لم تُسفر المتابعة عن الوصول إلى نتيجة حاسمة تكشف مصير المبلغ أو الأساس القانوني الذي تم بموجبه التصرف فيه.

أين ذهبت الأموال؟

يبقى هذا السؤال مطروحاً حتى اليوم. فالعارفون ببواطن الأمور يرجحون أن جانباً كبيراً من حصيلة رسوم عبور الأجواء وُجه إلى تمويل المجهود الحربي خلال سنوات الحرب في جنوب السودان، باعتبارها أحد أهم مصادر الدولة من العملات الحرة في ظل العقوبات الاقتصادية..

و لا تتوافر بيانات رسمية منشورة تسمح بالتحقق من هذه الروايات أو تحديد حجم الأموال التي أنفقت في أي من هذه الأوجه. غير أن ما يبدو واضحاً هو أن قطاع الطيران المدني نفسه لم يستفد من هذه الموارد بالقدر الذي يتناسب مع حجمها، إذ لم تشهد البنية التحتية للمطارات، أو أنظمة الملاحة الجوية، أو برامج التدريب والتأهيل، التطور الذي كان متوقعاً من مورد يقدر بمليارات الدولارات.

مصر تُعفي سودانير من ديون تتجاوز 3 ملايين دولار

دعوة للمراجعة والشفافية

إن إثارة هذا الملف لا تستهدف توجيه الاتهامات أو إصدار الأحكام، و إنما تهدف إلى الدعوة لمراجعة مالية وقانونية مستقلة تكشف حقيقة إدارة أحد أهم الموارد السيادية في تاريخ السودان الحديث.
فمن حق السودانيين أن يعرفوا حجم الإيرادات التي حققتها رسوم عبور الأجواء، وكيف جرى تحصيلها في ظل العقوبات الاقتصادية، و أين أودعت، و كيف صُرفت، وما هو نصيب قطاع الطيران المدني منها.

لقد آن الأوان لفتح هذا الملف بشفافية كاملة، استناداً إلى الوثائق الرسمية وسجلات وزارة المالية، وسلطة الطيران المدني، وبنك السودان المركزي، والمصارف التي أدارت الحسابات الخارجية. فالمحاسبة ليست انتقاماً من الماضي، وإنما ضمانة للمستقبل، ورسالة بأن الموارد السيادية يجب أن تُدار وفق أعلى معايير الحوكمة والشفافية، وأن تعود عوائدها إلى تطوير القطاعات التي أنتجتها، وفي مقدمتها قطاع الطيران المدني.

Exit mobile version